لعلّ إحياء الجمهورية الإسلامية في إيران لفعاليات يوم القدس هذا العام، كان أبرز إحياء لهذه المناسبة الاستنهاضية منذ 47 عاماً، لأنه تمّ خلال حرب صهيونية أمريكية هدفها إسقاط النظام الإسلامي الوحيد الذي تجرأ على نصرة القضية والمقاومة الفلسطينية بالأفعال طوال نصف قرن.

ولهذا كان إحياء الشعب الإيراني وحكومته وقواته المسلحة لهذا الاستحقاق في ظل هذا العدوان الأمريكي الإسرائيلي بأساليب متنوعة تُعبّر عن الصمود والثبات على قيم الثورة الإسلامية بأرقى أشكال التعبير: مظاهرات مليونية في العاصمة طهران وكبرى مدن البلاد غير آبهين باعتداءات إسرائيلية أمريكية حاولت منع حصول المظاهرات بالتهديدات وبالنار التي أدت لارتقاء شهيدة، وحضور عشرات المسؤولين المهدّدين بالاغتيال في مقدمتهم رئيس الجمهورية الإسلامية مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وصليات صاروخية من 30 صاروخ باليستي ذوي الطراز "فائق الثقل" برؤوس حربية تزن 1 طن و2 طن في اتجاه أهداف محددة في أراضي فلسطين المحتلة استطاعت تعطيل وتدمير أنظمة مهمة للرصد الجوي والفضائي تابعة للكيان، وغيره.
رسالة حضور المسؤولين الإيرانيين
وفي مشهدٍ يكشف الفارق العميق بين صلابة دولةٍ تقاتل انطلاقاً من ثقةٍ بقدرتها وبشعبها، وغطرسة قوةٍ عظمى أسيرة أوهامها الدعائية، جاء السجال الذي دار بين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ووزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ليعكس بوضوح هذا التناقض. فبينما حاول هيغسيث تصوير القيادة الإيرانية بأنها "مختبئة تحت الأرض" و"مذعورة"، ردّ لاريجاني بعبارة لاذعة تختصر المعادلة: "قادتنا بين الناس في الشوارع، وقادتكم في جزيرة إبستين"، في إشارة إلى فضيحة الملياردير جيفري إبستين التي أصبحت رمزاً لانحطاط النخب السياسية والمالية في أمريكا.

ولم يكن الردّ الإيراني كلاماً إعلامياً فحسب، بل جاء مقروناً بصورة ميدانية معاكسة تماماً للرواية الأميركية، حيث ظهر الرئيس مسعود بزشكيان إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس السلطة القضائية الشيخ غلام حسين محسني إجئي وقائد الأمن الداخلي العميد أحمد رضا رادان والعديد من الوزراء، وهم يسيرون بين الحشود في شوارع طهران خلال فعاليات يوم القدس العالمي، في لحظة كانت فيها العاصمة تتعرض لغارات إسرائيلية. وهكذا تحوّل المشهد إلى رسالة سياسية واستراتيجية في آنٍ معاً: قيادة تقف وسط شعبها تحت النار، في مقابل خطاب أميركي يقوم على الدعاية النفسية ومحاولة صناعة صورة وهمية عن الانهيار الإيراني.

وفي سياق متّصل، رد لاريجاني على الاعتداءات الإسرائيلية التي حاولت التأثير على حضور الشعبي المليوني في مسيرات إحياء يوم القدس بالقول بأن الهجمات الإسرائيلية على المتظاهرين تأتي نتيجة "خوف وعجز" الاحتلال، مؤكداً أن الشعب الإيراني يزداد قوة وإرادة في مواجهة الضغوط. موضحاً بأن "مشكلة ترمب أنه لم يستطع استيعاب أن الشعب الإيراني هو شعب قوي وواعٍ وصاحب إرادة، وكلما ازدادت الضغوط تزداد إرادتهم". ومشيراً إلى أن هذه الهجمات لن تثني الإيرانيين عن التمسك بحقوقهم، مع التأكيد بأن الرد الإيراني على مثل هذه المحاولات سيكون دائماً وفق إرادة الشعب وإمكاناته الدفاعية والسياسية.
عمليات القصف الصاروخي ومعركة تحرير القدس
وفي إطار تصعيد عملياته ضد أمريكا وكيان الاحتلال الإسرائيلي، أعلن حرس الثورة الإسلامية، في بيانه المرقم (36)، تنفيذ الموجة الرابعة والأربعين من عمليات "الوعد الصادق 4" تحت نداء "يا صادق الوعد"، إحياءً لذكرى "شهداء طريق القدس"، الذين شكّلوا أعمدة محور المقاومة، وفي مقدمتهم سيد شهداء المقاومة الحاج قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، وسيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، والسيد هاشم صفي الدين، وإسماعيل هنية ويحيى السنوار، وذلك على أعتاب يوم القدس العالمي. وأوضح البيان أن العملية نُفّذت بشكل واسع ومتواصل عبر إطلاق وابل من الصواريخ النقطوية وفوق الثقيلة، من بينها "خرمشهر" و"خيبر شكن" و"فتاح" و"عماد" و"قدر"، إضافة إلى طائرات مسيّرة انقضاضية، استهدفت مواقع صهيونية في شمال الأراضي المحتلة، ولا سيما كريات شمونا والخضيرة وحيفا، فضلاً عن الأسطول البحري الأميركي الخامس وسائر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة. وختم البيان بالتأكيد أن هذه العمليات تندرج في سياق معركة تحرير القدس، مشدداً على أن يوم القدس العالمي هذا العام سيكون مختلفاً، وأن تحرير القدس بات أقرب من أي وقت مضى، فيما يقترب النصر من أيدي الأحرار والمستضعفين في العالم.
الكاتب: غرفة التحرير