السبت 14 آذار , 2026 03:22

أميركا و"إسرائيل" لا تتشاركان الأهداف نفسها في إيران

بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب

بعد اتساع رقعة الحرب على إيران، تزايد الحديث في واشنطن وتل أبيب عن "وحدة الهدف في هذه الحرب". غير أن التدقيق في الحسابات الاستراتيجية للطرفين يكشف واقعًا مختلفًا؛ فبينما ترى "إسرائيل" في الصراع فرصة لتصفية البرنامج النووي الإيراني وربما إضعاف النظام في طهران، تبدو الولايات المتحدة أكثر حذرًا في تحديد سقف أهدافها، مدفوعة باعتبارات تتعلق باستقرار أسواق الطاقة، وتجنب حرب إقليمية واسعة، والحفاظ على تركيزها الاستراتيجي في مواجهة الصين. بحسب مقال نشره موقع ناشيونال انترست وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ هذا التباين في الأولويات لا يعني عدم وجود مشترك بين الحليفين، لكنه يسلّط الضوء على فجوة حقيقية بين المنطق الذي تريد "إسرائيل" من خلاله "ضمان أمنها" ومنطق المصالح الأميركية العالمية، وهي فجوة قد تصبح أكثر وضوحًا كلما طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها.
النص المترجم 

الولايات المتحدة و"إسرائيل" لا تتشاركان أهداف الحرب نفسها ضد إيران… وإليكم كيف يختلفان:
تقول الحكمة التقليدية السائدة في واشنطن إن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تتشاركان مصلحة استراتيجية موحدة في مواجهة إيران. يردد السياسيون من كلا الحزبين هذه الفكرة كما لو كانت عقيدة ثابتة. تعززها مراكز الأبحاث، وتحوّلها المؤسسة الدفاعية إلى سياسات عملية. لكن "الحكمة التقليدية"، خصوصًا في الشرق الأوسط، تمتلك سجلًا طويلًا من الأخطاء وهذه الحالة ليست استثناءً.
لنكن دقيقين بشأن ما يريده كل طرف فعليًا، لأن الغموض في السياسة الخارجية لا يؤدي فقط إلى الفشل الفكري، بل يكلّف أيضًا دماءً وأموالًا.
ما تريده "إسرائيل" هو القضاء على البرنامج النووي الإيراني — ليس احتواءه، ولا تقييده عبر التفاوض — بل إزالته بالكامل، ومعه، بصورة متزايدة، إضعاف أو حتى انهيار الجمهورية الإسلامية نفسها. بالنسبة ل"إسرائيل"، هذا الحساب وجودي. فإيران المسلحة نوويًا تمثل، في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، تهديدًا لا يمكن تحمله لبقائها المادي. وقد قال القادة الإسرائيليون ذلك بوضوح مرارًا، ولا سبب يدعو للتشكيك في صدقهم. فهم يريدون من الولايات المتحدة أن تخوض هذه الحرب بشكل كامل وحاسم، وبأي تكلفة ضرورية لإنهاء المهمة.
أما ما تريده الولايات المتحدة — أو بالأحرى ما تمليه المصالح الأميركية، لا ما يقوله السياسيون الأميركيون — فهو أكثر تعقيدًا بكثير.
واشنطن تريد منع إيران من امتلاك سلاح نووي قابل للإطلاق. وتريد الحفاظ على تدفق النفط من الخليج الفارسي. كما تريد تجنب تورط عسكري مفتوح وطويل الأمد في الشرق الأوسط من شأنه أن يستنزف قدرتها الردعية التقليدية في منطقة الهند-المحيط الهادئ. وتريد أيضًا منع الاقتصاد العالمي من التعرض لصدمة أسعار نفط قد تسرّع تفكك النظام الاقتصادي العالمي. وفوق ذلك، تريد — إن أمكن — العودة إلى إدارة تنافسها مع الصين، التحدي الحقيقي الذي سيحدد هذا القرن.
من الواضح أن هذه ليست الأهداف نفسها. فهي تتقاطع في بعض النقاط، لكنها تتباعد تحديدًا عند النقطة الأكثر حساسية: إلى أي مدى ينبغي الذهاب في الحرب.
التاريخ هنا مفيد للتذكير، حتى لو كانت واشنطن تفضّل تجاهله. فقد عملت "إسرائيل" طويلًا وفق فرضية مفادها أن متطلباتها الاستراتيجية ينبغي — بحكم التحالف والقيم المشتركة — أن تصبح متطلبات استراتيجية أميركية أيضًا. لقد خدم هذا الدمج مصالح "إسرائيل" جيدًا.
لنعد إلى الفترة التي سبقت حرب العراق عام 2003، حين جرى الترويج بقوة لإسقاط صدام حسين من قبل أصوات كانت منسجمة إلى حد كبير مع أولويات الأمن الإسرائيلي. كانت الحجة آنذاك، كما هي الآن، أن القوة الأميركية ستُستخدم لإعادة تشكيل نظام إقليمي معادٍ، بما يحقق مكاسب أمنية مشتركة للحليفين.
لكن ما حدث لاحقًا كان نزيفًا استمر عقدين من الزمن في مصداقية الولايات المتحدة ومواردها واهتمامها الاستراتيجي فيما خرجت إيران أقوى بكثير نتيجة إزالة خصمها الرئيسي.
كان الدرس واضحًا لمن أراد أن يتعلمه لكنه في الغالب لم يُتعلَّم.
هناك أيضًا مسألة ملكية الإقليم. فحيّز "إسرائيل" الاستراتيجي — أي جوارها المباشر — هو بطبيعة الحال مصدر قلقها الأساسي: دول الخليج، بلاد الشام، والظل النووي فوق القدس. هذه هي إحداثيات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وهذا أمر طبيعي.
لكن مصالح الولايات المتحدة عالمية بطبيعتها. فحملة عسكرية قد تضعف قدرات إيران لكنها تشعل حربًا إقليمية، وتغلق مضيق هرمز، وتدفع صواريخ حزب الله إلى اندلاع مواجهة شاملة، وتفرض على واشنطن نشرًا عسكريًا موسعًا وطويل الأمد في الخليج قد تحقق بعض معايير النجاح الإسرائيلية، لكنها قد تمثل انتكاسة استراتيجية خطيرة للولايات المتحدة.
هذا التباين مهم ف" إسرائيل"، "كدولة" صغيرة تواجه بيئة تهديد محددة، تستطيع أن تركز على هدف واحد. أما الولايات المتحدة، كقوة عالمية لديها التزامات تمتد من بحر الصين الجنوبي إلى أوروبا الشرقية وصولًا إلى نصف الكرة الغربي، فلا تستطيع ذلك.
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة يجب أن تكون غير مبالية بالطموحات النووية الإيرانية. فإيران المسلحة نوويًا قد تكون بالفعل عاملًا "مزعزعًا للاستقرار"، ولدى واشنطن أسباب مشروعة لمنع ذلك. لكن "منع إيران من امتلاك سلاح نووي" و"تنفيذ الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة" هما قضيتان مرتبطتان، لكنهما ليستا متطابقتين.
الحقيقة غير المريحة التي يتجنبها مجتمع السياسة الخارجية في واشنطن بشكل غريزي هي أن التحالفات تتطلب إدارة صادقة لاختلاف المصالح، لا إنكارها.
التظاهر بأن المصالح الأميركية والإسرائيلية متطابقة تمامًا لا يقوي التحالف. بل يشوّه عملية صنع القرار الأميركية، ويحصّن السياسة الإسرائيلية من التدقيق المشروع، وفي النهاية — عندما يصبح الاختلاف واضحًا — يؤدي إلى ارتباك استراتيجي قد يكلّف أرواحًا.
إن سياسة خارجية أميركية جادة ستقول بوضوح:
"نحن ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ونشاركها القلق من القدرات النووية الإيرانية، وسننسق معها استراتيجية تخدم مصالحنا المشتركة".
لكن تحقيق هذا الهدف لا يعني أن تسلّم الولايات المتحدة عجلة القيادة في قرارات تحمل عواقب على الجنود الأميركيين، والمستهلكين الأميركيين، ومكانة الولايات المتحدة في العالم.
هذه المحادثة لم تُجرَ بعد بالقدر الكافي من الصراحة. وحتى يحدث ذلك، ستستمر واشنطن في الانجراف نحو التزامات تتشكل أكثر بفعل تصورات التهديد في القدس منها بفعل تقييم متماسك للمصلحة القومية الأميركية.


المصدر: The National Interest

الكاتب: ليون هدار




روزنامة المحور