يشهد مسار المواجهة الدائرة على الجبهة اللبنانية منذ مطلع آذار/مارس 2026 تطوراً نوعياً في طبيعة العمليات العسكرية، مع انتقال المعركة إلى مستوى أكثر تعقيداً من حيث إدارة النار والمناورة العملياتية. وقد تزامن هذا التصعيد مع إحياء يوم القدس العالمي وإعلان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إطلاق تسمية "معركة العصف المأكول" على العمليات العسكرية الجارية منذ الثاني من مارس، في خطوة تحمل أبعاداً رمزية وسياسية وعسكرية تعكس طبيعة المرحلة الراهنة من الصراع.
في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة برزت محاولة إسرائيلية واضحة لتغيير قواعد الاشتباك الميداني عبر اعتماد استراتيجية مزدوجة تقوم على عزل مسرح العمليات جنوب نهر الليطاني من جهة، وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع من جهة أخرى. وقد تمثلت محاولة العزل في استهداف الجسور الحيوية وقطع عقد الطرقات الأساسية بهدف تعطيل خطوط الإمداد وإرباك البيئة المدنية، في حين اتجهت الغارات الجوية نحو العمق اللبناني لإحداث ضغط نفسي وميداني متزامن.
غير أن التطورات الميدانية أظهرت أن هذه المقاربة لم تحقق أهدافها العملياتية. فقد نفذت المقاومة الإسلامية أربعاً وعشرين عملية عسكرية نوعية خلال يوم واحد، ما يعكس استمرار قدرتها على الحفاظ على كثافة نيرانية مرتفعة رغم محاولات الفصل الجغرافي. ويعكس هذا الأداء اعتماد المقاومة نموذج اللامركزية العملياتية في إدارة المعركة، حيث تتمتع الوحدات القتالية الأمامية بقدر كبير من الاستقلالية اللوجستية والقتالية يسمح لها بمواصلة العمليات حتى في حال تعرض خطوط الاتصال التقليدية للتشويش أو الانقطاع.
في الميدان، يظهر أن الجيش الإسرائيلي يحاول البحث عن نقطة ضعف عبر فتح عدة محاور ضغط في القطاعين الأوسط والشرقي من الحدود. وتشير المعطيات إلى حشد وحدات كبيرة تضم فرقاً مدرعة ومشاة وقوات نخبة، بينها الفرقتان 146 و91، إضافة إلى وحدات من الفرقة 162 والفرقة 36، مع استعداد محتمل لزج فرقة الكوماندوس 98 في مرحلة لاحقة من القتال. ويتركز الثقل العملياتي لهذه التحركات في محور الخيام – المطلة ومحور عديسة – مركبا، إلى جانب نشاط عسكري في محيط مارون الراس وعيترون.
لكن هذه التحركات لم تتحول حتى الآن إلى مناورة برية واسعة، بل بقيت في إطار ما يُعرف عسكرياً بـ “الاستطلاع بالقوة”، حيث تتقدم وحدات محدودة تحت غطاء ناري كثيف بهدف اختبار الدفاعات واكتشاف نقاط الضعف. في المقابل، تعاملت المقاومة مع هذه المحاولات عبر تكتيك الضربات الاستباقية والإجهاضية، إذ استهدفت نقاط تجمع القوات الإسرائيلية قبل انطلاقها نحو خطوط التماس، ما أدى إلى تحويل محاور التقدم إلى مناطق خطرة ومكلفة للقوات المهاجمة.
ومن أبرز ملامح الأداء القتالي للمقاومة اعتماد الرمايات الصاروخية التراكمية التي تهدف إلى منع القوات المعادية من تثبيت مواقعها أو إعادة تنظيم صفوفها. وقد تكرر هذا التكتيك في عدة نقاط ميدانية، خصوصاً في محيط المطلة والخيام، حيث تعرضت تجمعات الجيش الإسرائيلي لضربات متتالية في فترات زمنية قصيرة، الأمر الذي حدّ من قدرته على المناورة البرية وأجبره على التراجع أو إعادة التموضع.
بالتوازي مع ذلك، استمرت مناورة العمق الصاروخية ضمن إطار عمليات “العصف المأكول”، حيث طالت الضربات عدداً من المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، إضافة إلى أهداف نوعية مرتبطة بالبنية الاستخبارية والعسكرية الإسرائيلية. ومن بين هذه الأهداف قواعد مراقبة وتحكم تشكل جزءاً من شبكة إدارة الطيران والمسيّرات، في محاولة لإضعاف قدرة العدو على إدارة تفوقه الجوي فوق مسرح العمليات.
كما برز استخدام المسيّرات الانقضاضية ضمن أسراب هجومية استهدفت مواقع عسكرية وتجمعات للقوات الإسرائيلية، ما يعكس تطوراً في أدوات القتال غير المتماثل وقدرة المقاومة على تجاوز بعض طبقات الدفاع الجوي الإسرائيلي.
في المقابل، أظهر السلوك العسكري الإسرائيلي ميلاً متزايداً نحو سياسة الأرض المحروقة، إذ توسعت الغارات لتطال عشرات البلدات الجنوبية إضافة إلى مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. ويشير هذا النمط إلى محاولة التعويض عن الصعوبات الميدانية عبر استهداف البنية التحتية والضغط على البيئة المدنية، وهو ما يعكس أيضاً أزمة في بنك الأهداف العسكرية نتيجة صعوبة الاشتباك المباشر مع الوحدات القتالية للمقاومة.
وفي السياق النفسي والإعلامي، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى إلقاء مناشير تحريضية فوق بيروت، في خطوة تقليدية ضمن أدوات الحرب النفسية تهدف إلى خلق ضغط داخلي على المقاومة. غير أن استمرار صدور البيانات العسكرية اليومية وتنفيذ العمليات المتزامنة يرسل رسالة معاكسة مفادها أن منظومة القيادة والسيطرة لا تزال تعمل بكفاءة وأن زمام المبادرة النيرانية ما زال بيد المقاومة.
خلاصة المشهد الميداني تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يقف حتى الآن أمام جدار دفاعي معقد يحول دون تحقيق اختراق بري سريع، بينما تحافظ المقاومة على قدرة عالية في إدارة المعركة عبر الجمع بين الدفاع البري النشط ومناورة النار الصاروخية. وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن الصراع يتجه نحو حرب استنزاف مركبة قد تطول زمنياً، حيث يحاول كل طرف إعادة تشكيل ميزان الردع وفق معطيات الميدان وتطوراته المتسارعة.
الكاتب: غرفة التحرير