السبت 14 آذار , 2026 05:21

نعيم قاسم يرسم معادلة الحرب الطويلة: مفاجآت الميدان وباب السياسة المفتوح

الشيخ نعيم قاسم

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء خطاب الأمين العام لـ حزب الله الشيخ نعيم قاسم بمناسبة يوم القدس العالمي ليقدم أكثر من مجرد خطاب تعبوي أو موقف سياسي تقليدي. فقد بدا الخطاب أقرب إلى بيان استراتيجي يرسم ملامح المرحلة المقبلة من المواجهة مع "إسرائيل"، ويضع إطاراً سياسياً وعسكرياً لصراع مرشح لأن يطول، ويتجاوز في تأثيراته حدود الساحة اللبنانية إلى المشهد الإقليمي الأوسع.
اللافت في الخطاب أنه لم يسعَ إلى تقديم صورة حاسمة أو إعلان نهاية قريبة للمواجهة، بل على العكس، بدا واضحاً أن القيادة في حزب الله تتعامل مع الحرب بوصفها مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، لا يمكن حسمها سريعاً. ومن هنا جاءت الرسالة الأساسية التي كررها قاسم بوضوح: الحزب أعد نفسه لحرب طويلة، وما زال يمتلك مفاجآت ميدانية قادرة على تغيير المعادلات.
هذه الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة في أدبيات الحروب غير المتكافئة، لكنها تكتسب أهمية خاصة في السياق الحالي، حيث تتداخل عدة مستويات من الصراع في المنطقة، من المواجهة المباشرة بين "إسرائيل" وإيران، إلى التوترات المتصاعدة على جبهات متعددة في الشرق الأوسط. وفي مثل هذا السياق، يصبح عنصر الزمن أحد أهم أدوات إدارة الحرب، بل قد يتحول إلى سلاح استراتيجي بحد ذاته.
الحرب الطويلة كاستراتيجية
من خلال القراءة المتأنية للخطاب، يمكن استخلاص أن حزب الله لا ينظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها مجرد جولة عسكرية هامشية، بل كمرحلة من صراع أطول مع "إسرائيل". فالإشارة المتكررة إلى الاستعداد لحرب طويلة تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التوازنات القائمة، وإلى حدود القوة العسكرية لدى الطرفين.
في الحروب غير المتكافئة، غالباً ما يعتمد الطرف الآخر على استراتيجيات الاستنزاف، والمرونة العملياتية، واستخدام عنصر المفاجأة لتعويض الفارق في القدرات التقليدية. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن "المفاجآت" التي أشار إليها قاسم، والتي تتعلق ليس فقط بنوعية السلاح، بل أيضاً بأساليب القتال والقدرة على إدارة المعركة بطرق غير تقليدية.
إن الإبقاء على هذا الغموض الاستراتيجي حول القدرات الفعلية للحزب يمثل بحد ذاته جزءاً من استراتيجية الردع. فالغموض المدروس يربك حسابات الخصم، ويجعل تقديراته للمخاطر أكثر تعقيداً، وهو ما قد يؤثر مباشرة في قراراته العسكرية.
الخطاب كأداة إدارة للمعركة
لم يكن خطاب قاسم موجهاً إلى جمهور واحد، بل إلى عدة دوائر في الوقت نفسه. فداخلياً، يحمل الخطاب رسالة تطمين إلى البيئة الحاضنة للمقاومة بأن الحزب ما زال يمتلك القدرة العسكرية والتنظيمية للاستمرار في المواجهة، وأن الضربات التي تلقاها لم تؤد إلى انهيار بنيته أو تراجع قدراته.
وفي المقابل، يوجه الخطاب رسالة ردع إلى المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية"، مفادها أن توسيع نطاق الحرب لن يكون خطوة بلا ثمن، بل قد يؤدي إلى تصعيد أكبر يصعب التحكم بمساراته.
بهذا المعنى، يصبح الخطاب جزءاً من إدارة الحرب النفسية والسياسية، وليس مجرد موقف إعلامي. فالرسائل التي تُبث في مثل هذه اللحظات تؤثر في حسابات الخصم بقدر ما تؤثر في معنويات الجمهور الداخلي.
نافذة السياسة في قلب الحرب
ورغم نبرة التحدي التي طغت على الخطاب، فإن قاسم حرص في الوقت نفسه على إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية. فقد أشار بوضوح إلى أن نهاية المعركة قد تقود إلى اتفاق "أفضل وأشمل" مع "إسرائيل"، إذا توفرت الظروف المناسبة.
هذا الطرح يعكس إدراكاً لقاعدة تاريخية في الصراعات المسلحة: فالحروب غالباً ما تنتهي بتسويات سياسية، حتى بعد أكثر المواجهات عنفاً. وقد شهدت الجبهة اللبنانية "الإسرائيلية" أمثلة عديدة على ذلك، أبرزها ما حدث بعد حرب لبنان 2006، التي انتهت بتفاهمات أعادت رسم قواعد الاشتباك بين الطرفين.
من هذا المنظور، يمكن فهم حديث قاسم عن "اتفاق أفضل" بوصفه محاولة لربط نتائج المعركة العسكرية بمكاسب سياسية محتملة، تتعلق بوقف الانتهاكات "الإسرائيلية" للسيادة اللبنانية، أو تثبيت قواعد اشتباك جديدة أكثر ملاءمة للحزب وللبنان.
الحسابات "الإسرائيلية"
لكن في المقابل، تشير المؤشرات الصادرة من "إسرائيل" إلى أن القيادة السياسية والعسكرية هناك لم تصل بعد إلى قناعة بإنهاء المواجهة في المدى القريب. بل يبدو أن تل أبيب تسعى إلى تحقيق مكاسب إضافية على الأرض قبل الدخول في أي تسوية سياسية.
ومن بين السيناريوهات التي يجري تداولها داخل الأوساط الأمنية "الإسرائيلية" فكرة إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، بهدف تقليص قدرة حزب الله على تهديد العمق "الإسرائيلي"، خاصة في مستوطنات الشمال.
في هذا السياق، اكتسبت الإشارة التي وردت في خطاب الأمين العام لـ حزب الله الشيخ نعيم قاسم حول احتمال التوغل البري "الإسرائيلي" دلالة استراتيجية لافتة. فبدلاً من التعامل مع هذا السيناريو بوصفه تهديداً، قدمه الخطاب باعتباره تطوراً قد يخدم تكتيكياً استراتيجية المقاومة. إذ أوضح قاسم أن الدخول البري هو السيناريو الذي ينتظره المقاتلون، لأن المعركة البرية تنقل المواجهة من مستوى التفوق التكنولوجي "الإسرائيلي" إلى مستوى الاشتباك الميداني المباشر، حيث تتقلص الفجوة في ميزان القوة.
وفق هذا المنطق، فإن أي عملية برية تقوم بها "إسرائيل" داخل الأراضي اللبنانية قد تتحول إلى عبء استراتيجي عليها أكثر مما تكون مكسباً عسكرياً. فالقوات البرية، بخلاف العمليات الجوية، تحتاج إلى القدرة على السيطرة على الأرض وتأمين خطوط الإمداد والبقاء لفترة زمنية طويلة داخل بيئة معادية. وهنا تحديداً تكمن نقطة القوة التي أشار إليها الخطاب.
فالمقاومة تراهن على أن كثافة العمليات العسكرية، والكمائن، والهجمات المتكررة على القوات المتوغلة، ستجعل أي محاولة "إسرائيلية" لتثبيت وجود دائم في المناطق الحدودية أمراً شديد الكلفة. وبالتالي لا يصبح السؤال في حال حدوث التوغل البري هو: هل تستطيع "إسرائيل" الدخول؟ بل يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع البقاء والاستقرار في تلك المناطق؟
هذا التحول في صياغة السؤال يعكس جوهر الاستراتيجية التي يحاول الخطاب تكريسها. فالمعركة البرية، من منظور المقاومة، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل ساحة يمكن فيها استنزاف القوات "الإسرائيلية" وإفشال محاولتها فرض واقع أمني جديد، مثل إنشاء مناطق عازلة أو إعادة احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني.
بهذا المعنى، يصبح التوغل البري، الذي يُفترض عادة أنه أداة ضغط عسكرية بيد "إسرائيل"، احتمالاً قد ينقلب إلى نقطة ضعف استراتيجية إذا عجزت القوات "الإسرائيلية" عن تثبيت سيطرتها على الأرض. وهو ما يفسر نبرة الثقة التي ظهرت في الخطاب، حين طُرح السؤال الضمني: الدخول ممكن، لكن هل يستطيع الاحتلال أن يبقى؟
البعد الإقليمي للمواجهة
لا يمكن قراءة ما يجري على الجبهة اللبنانية بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، وخاصة التوتر المتصاعد بين "إسرائيل" وإيران. فهذه المواجهة تشكل الخلفية الاستراتيجية لكثير من التطورات الجارية في المنطقة.
وحتى في حال تراجع حدة المواجهة المباشرة بين إيران و"إسرائيل" في مرحلة ما، فإن ذلك لا يعني بالضرورة توقف الصراع بين "إسرائيل" وحزب الله. فالتقديرات الاستراتيجية "الإسرائيلية" تنظر إلى الحزب باعتباره أحد أخطر التهديدات العسكرية في المنطقة، نظراً لحجم ترسانته الصاروخية وخبرته القتالية المتراكمة منذ انسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان عام 2000، مروراً بحرب 2006، وصولاً إلى المواجهات الحالية.
معركة الزمن
في النهاية، يمكن القول إن جوهر المعادلة التي حاول قاسم رسمها في خطابه يقوم على رهانين متقابلين. "إسرائيل" تراهن على أن الضغط العسكري المستمر سيؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف قدرات الحزب واستنزافه. في المقابل، يراهن حزب الله على أن الصمود وإطالة أمد المواجهة سيجبران "إسرائيل" في نهاية المطاف على القبول بتسوية أقل مما تطمح إليه.
بين هذين الرهانين، يبقى عامل الزمن حاسماً في تحديد مسار الصراع. فالحروب الطويلة لا تُحسم عادة بضربة واحدة، بل بتراكم الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على الطرفين.
ولهذا تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين الاستراتيجي. فالمواجهة لم تصل بعد إلى نقطة الحسم، كما أن شروط التسوية السياسية لم تنضج بالكامل.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن خطاب نعيم قاسم لم يكن إعلاناً عن نهاية الحرب، بل كان محاولة لرسم إطارها المستقبلي: حرب قد تطول، مفاجآت ميدانية محتملة، وباب سياسي يبقى مفتوحاً إذا ما تغيرت موازين القوى أو تبدلت الحسابات.
وفي مثل هذه المعادلات المعقدة، يصبح الخطاب السياسي نفسه جزءاً من أدوات إدارة الصراع، بقدر ما تصبح الصواريخ والعمليات العسكرية أدواته الميدانية.

 





روزنامة المحور