تناقش الدراسة المعنونة "مضيق هرمز: بين الحق التاريخي والقانون الدولي" الجذور التاريخية والقانونية للحقوق الإيرانية في مضيق هرمز والممرات المائية المرتبطة به في الخليج. وتنطلق من فرضية أساسية مفادها أن لإيران حقوقاً تاريخية وقانونية متراكمة في هذا المضيق الحيوي، تستند إلى استمرارية السيادة التاريخية على السواحل والجزر، إضافة إلى تفسير قانوني خاص لقواعد الملاحة الدولية.
تبدأ الدراسة بتوضيح الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لمضيق هرمز، إذ يُعد أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. ويبلغ طول المضيق نحو 167 كيلومتراً ويتراوح عرضه بين 39 و96 كيلومتراً، ما يجعله شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة العالمية. لذلك فإن أي توتر سياسي أو عسكري فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.
في البعد التاريخي، تشير الدراسة إلى أن الجذور الإيرانية في المنطقة تعود إلى العصور القديمة، ولا سيما إلى الإمبراطورية الأخمينية في القرن السادس قبل الميلاد، عندما بسط الفرس سيطرتهم على سواحل الخليج ومضيق هرمز. وتؤكد المصادر التاريخية أن الفرس كانوا يتحكمون بالملاحة في هذه المنطقة ويفرضون رسوماً على السفن المارة، ما يعكس حضوراً سيادياً واضحاً. كما استمرت هذه السيطرة خلال العهد الساساني، حيث اعتُبر الخليج "بحراً فارسياً" في العديد من الكتابات القديمة.
وتشير الدراسة إلى أن السيادة الفارسية لم تنقطع بشكل كامل عبر التاريخ، باستثناء فترة الاحتلال البرتغالي بين عامي 1515 و1622، حين سيطر البرتغاليون على جزيرة هرمز وحولوها إلى قاعدة عسكرية وتجارية. غير أن الشاه عباس الصفوي تمكن عام 1622 من استعادة الجزيرة وطرد البرتغاليين، ما أدى إلى عودة السيطرة الإيرانية على المنطقة واستمرارها حتى العصر الحديث. وتؤكد الدراسة أن هذا الاحتلال يُعد انقطاعاً مؤقتاً لا يلغي الحقوق التاريخية لإيران في المنطقة.
وتناقش الدراسة قاعدة استراتيجية مهمة تقول إن "من يسيطر على الجزر يسيطر على الممرات المائية". وتطبق هذه القاعدة على مضيق هرمز، حيث تقع جزر هرمز وقشم ولارك تحت السيادة الإيرانية، وهي جزر تتحكم عملياً في مدخل المضيق ومخرجه. وترى الدراسة أن السيطرة على هذه الجزر تمنح إيران نفوذاً جغرافياً واستراتيجياً كبيراً على حركة الملاحة في المضيق، وهو أمر أدركته القوى الاستعمارية سابقاً مثل البرتغال وبريطانيا عندما سعت إلى السيطرة على هذه الجزر للتحكم بالممر البحري.
أما في الجانب القانوني، فتوضح الدراسة أن إيران وقّعت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لكنها لم تصادق عليها، وبالتالي فهي لا تعتبر نفسها ملزمة بنظام "المرور العابر" الذي يسمح بحرية الملاحة في المضائق الدولية دون قيود. وبدلاً من ذلك، تتمسك إيران بنظام "المرور البريء"، وهو نظام أقدم يمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع لتنظيم الملاحة في مياهها الإقليمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسفن الحربية أو الأنشطة التي قد تهدد أمنها القومي.
كما تستند إيران في موقفها القانوني إلى القانون الدولي العرفي وأحكام محكمة العدل الدولية في قضية "قناة كورفو" عام 1949، والتي أقرت مبدأ المرور البريء في المضائق الدولية. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن هذا الحق ليس مطلقاً، إذ يمكن تقييده في حال وجود تهديد مباشر لأمن الدولة الساحلية. كما تستند إيران إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول حق الدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات العسكرية.
وتعرض الدراسة أيضاً التطورات القانونية المتعلقة بالمضيق، مثل قرار إيران عام 1959 توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً بحرياً، ثم قرار سلطنة عمان عام 1972 اتخاذ الخطوة نفسها. ونتيجة لذلك أصبح المضيق واقعاً عملياً ضمن المياه الإقليمية المشتركة لإيران وعمان، ما يعزز دور الدولتين في تنظيم الملاحة فيه.
في الخلاصة، تؤكد الدراسة أن الموقف الإيراني في مضيق هرمز يستند إلى ثلاثة عناصر مترابطة: التاريخ الطويل للسيادة الإيرانية على المنطقة، والأهمية الاستراتيجية للجزر التي تتحكم بالممر البحري، والموقف القانوني القائم على عدم الالتزام باتفاقية قانون البحار والتمسك بالقواعد العرفية الأقدم. وترى الدراسة أن هذه العوامل مجتمعة تمنح إيران أساساً تاريخياً وقانونياً للمطالبة بدور رئيسي في تنظيم الملاحة في المضيق، مع احتفاظها بحق اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية أمنها القومي في الظروف القصوى.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: عبد الله بدوي