الإثنين 16 آذار , 2026 04:21

الخطاب الأميركي في الحرب على إيران: صناعة أوهام الانتصار

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث

يشكّل الخطاب الإعلامي المرافق للحروب أحد أهم أدوات إدارة الصراع في العصر الحديث، إذ لا تقتصر المعارك على الميدان العسكري فحسب، بل تمتد إلى المجال الإدراكي والنفسي الذي يسعى كل طرف من خلاله إلى بناء سردية تُقنع الجمهور الداخلي وتؤثر في الخصم والحلفاء في آن واحد. وفي هذا السياق، برزت تصريحات وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث منذ اندلاع الحرب على إيران في الأول من آذار/مارس 2026 بوصفها جزءاً من خطاب سياسي–عسكري يهدف إلى إدارة السردية الإعلامية للحرب وتوجيه إدراك الأطراف المختلفة لمسارها ونتائجها.

في الأيام الأولى للحرب ركّز الخطاب الأميركي على تبرير العمليات العسكرية وتقديمها باعتبارها خطوة دفاعية تهدف إلى إنهاء التهديد الإيراني وليس إلى خوض حرب مفتوحة أو طويلة. وقد أكد هيغسيث أن الولايات المتحدة لم تبدأ الحرب، بل تسعى إلى إنهائها عبر ضرب قدرات محددة، أبرزها منظومة الصواريخ الإيرانية والبنية الصناعية المرتبطة بها، إضافة إلى إضعاف البحرية الإيرانية ومنع طهران من تطوير قدرات نووية عسكرية. وبهذا المعنى حاولت الإدارة الأميركية منذ البداية تأطير الحرب ضمن إطار "عملية مركزة" تختلف عن الحروب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة في العراق أو أفغانستان.

ومع تقدم العمليات العسكرية بدأ الخطاب يتطور تدريجياً من مرحلة التبرير إلى مرحلة إبراز التفوق العسكري. فقد تحدث المسؤولون الأميركيون عن ضرب مئات الأهداف العسكرية داخل إيران، وعن تحييد أجزاء واسعة من القدرات البحرية الإيرانية. كما أشار هيغسيث لاحقاً إلى أن الولايات المتحدة تمتلك الإرادة والموارد لمواصلة الحرب لفترة طويلة إذا اقتضت الحاجة، في رسالة ردعية موجهة إلى طهران مفادها أن واشنطن مستعدة لتصعيد المواجهة إذا لم تتراجع إيران عن عملياتها.

بلغ هذا الخطاب ذروته في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الدفاع الأميركي في الثالث عشر من آذار مع رئيس هيئة الأركان المشتركة، حيث قدّم المسؤولان رواية تفيد بأن الضربات الأميركية–الإسرائيلية أدت إلى تدمير واسع للبنية الصناعية الصاروخية الإيرانية، وأن القاعدة العسكرية المرتبطة بإنتاج الصواريخ تقترب من "الدمار الكامل". كما تحدثا عن استهداف أكثر من خمسة عشر ألف هدف خلال الأيام الأولى للحرب، وعن انخفاض إطلاق الصواريخ الإيرانية بنسبة تسعين في المئة وتراجع هجمات الطائرات المسيّرة بنسبة خمسة وتسعين في المئة. كذلك أشار رئيس هيئة الأركان إلى أن البحرية الإيرانية تعرضت لأضرار كبيرة جعلتها غير قادرة على القتال بفعالية بعد أقل من أسبوعين من العمليات العسكرية.

غير أن تحليل هذا الخطاب وفق نماذج تحليل الدعاية السياسية، مثل نموذج بينت–والتز، يكشف أن الرسالة الإعلامية لا تقتصر على عرض نتائج عملياتية، بل تمثل جزءاً من استراتيجية إعلامية متكاملة لإدارة الإدراك الاستراتيجي للحرب. فالرسالة جاءت عبر مؤتمر صحفي رسمي في البنتاغون بمشاركة أعلى القيادات العسكرية، ما يشير إلى أنها خطاب محسوب بدقة ضمن إدارة السردية العامة للصراع. كما استخدم الخطاب مفردات حاسمة مثل "الدمار الكامل" و"تحييد القدرات" وهي مصطلحات توحي بحسم عسكري سريع.

ومع ذلك، يلاحظ أن هذا الخطاب يتضمن مؤشرات على تضخيم الإنجازات العسكرية. فالأرقام الكبيرة، مثل استهداف آلاف الأهداف، لا تعني بالضرورة تدميراً استراتيجياً شاملاً، لأن الحملات الجوية غالباً ما تشمل أهدافاً صغيرة أو مواقع تكتيكية محدودة التأثير. كما أن الخطاب ركّز على النجاحات العسكرية دون تقديم صورة كاملة عن القدرات المتبقية لدى إيران أو عن حجم مخزونها الصاروخي وإمكاناتها الإنتاجية المستقبلية.

كذلك يظهر تناقض واضح في الحديث عن البحرية الإيرانية؛ إذ جرى التأكيد على أنها أصبحت غير قادرة على القتال، في حين أقر المسؤولون الأميركيون في الوقت نفسه بأن إيران ما زالت قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ويعود ذلك إلى طبيعة العقيدة البحرية الإيرانية التي تعتمد على أدوات غير تقليدية مثل الزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والألغام البحرية، وهي وسائل يصعب القضاء عليها بالكامل عبر الضربات الجوية.

من زاوية الاستهداف الإدراكي، يبدو أن هذا الخطاب موجّه إلى ثلاث دوائر رئيسية. الأولى هي الرأي العام الأميركي، حيث يسعى إلى ترسيخ صورة النجاح العسكري وتبرير كلفة الحرب البشرية والاقتصادية. والثانية هي القيادة الإيرانية، عبر ممارسة ضغط نفسي يهدف إلى إقناعها بأن بنيتها العسكرية تتعرض للتفكيك التدريجي. أما الدائرة الثالثة فهي الحلفاء الإقليميون، ولا سيما دول الخليج، حيث يهدف الخطاب إلى طمأنتهم بأن التهديد الصاروخي الإيراني يتراجع وأن الملاحة في مضيق هرمز يمكن تأمينها.

في المحصلة، يمكن القول إن تصريحات وزير الدفاع الأميركي لا تمثل مجرد إحاطة عسكرية تقنية، بل تشكل جزءاً من حرب إدراكية مرافقة للحرب العسكرية. فإلى جانب الضربات الميدانية، يجري استخدام الخطاب الإعلامي والأرقام العملياتية لبناء تصور عام بأن ميزان القوة يميل بشكل حاسم لصالح التحالف الأميركي–الإسرائيلي. وبهذا المعنى تصبح الدعاية العسكرية أداة مكملة للقوة العسكرية، تهدف إلى تعزيز الضغط السياسي والنفسي على الخصم، وإقناع الجمهور الداخلي والحلفاء بأن الحرب تسير في اتجاه الحسم والانتصار.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور