بعد اثني عشر يومًا على استئناف الحرب ضد إيران ولبنان، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في خطاب إعلامي من خلال كلمة وجّهها للجمهور، (ليس هناك أي تأكيد إن كانت مباشرة فعلًا أم مسجّلة) ثم أجاب على بعض الأسئلة الصحافية (إجابات غير مقنعة) بشأن عودة حزب الله للقتال، وعدم القدرة على توفير الأمن لسكان المستوطنات الشمالية، وعدم النيل من النظام الإيراني.
بدا المظهر الخارجي/الجسدي لنتنياهو مثيرًا للكثير من التساؤلات حول وضعه الصحي، ومدى صلابته الجسدية، فقد كان منفعلًا -وإن كان الانفعال قلّما فارقه منذ أكتوبر 2023- وبدا هزيلًا وكأنه يرتجف في بعض اللحظات. خاب أمل الجمهور الإسرائيلي لأن خطابه لم يتطرق أبدًا للحديث عن "إعادة إعمار الشمال والجنوب ولا عن العودة إلى الحياة الطبيعية، ولا الأعمال التي تنهار ولا عن دعم زوجات الجنود ولا عن الاهتمام بتعليم الأطفال"، ثم تداولت وسائل التواصل الاجتماعي في الكيان الصهيوني أن "خدعة انهيار حزب الله والإطاحة بالنظام الإيراني قد انكشفت" وأن الإسرائيليين "يركضون إلى الغرف المحصنة والملاجئ، والأطفال يكبرون مع الصدمات والمخاوف، والجنود يغامرون بحياتهم في لبنان ضد حزب الله" فيما نتنياهو منشغل بشؤونه الخاصة المتعلقة بالعفو وإلغاء القضاء والإضرار بالمستشارة القانونية واستقلالية الإعلام".
ترصد هذه الورقة المظهر الجسدي والنفسي لنتنياهو، بعد الكثير من التساؤلات والفرضيات المتعلّقة بأحواله وتوقّفه عن الظهور الإعلامي منذ استئناف الحرب الراهنة، قبل الفيديو الأخير الذي نشره على حسابه (يوم الأحد 15 آذار 2026) وكأنه يقول للرأي العام "أنا بحالة جيدة، أشرب القهوة، وأخرج إلى المتاجر والمقاهي، وانظروا إلى أصابعي، إنها خمسة وليست ستة"، فقد أشار البعض إلى احتمالية أن يكون هذا الفيديو الآخر مستفيدًا من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يمكن قراءة الظهور الأخير لبنيامين نتنياهو بوصفه مزيجًا مركّبًا من الإشارات الجسدية والدلالات الخطابية التي تعكس، في مجموعها، حالة نفسية وسياسية معقّدة. فعلى مستوى لغة الجسد، بدا واضحًا أنّ نتنياهو لم يعد يشبه صورته التي سبقت السابع من أكتوبر، إذ أظهر تغيّرًا ملحوظًا في بنيته الجسدية؛ حيث برز فقدان الوزن بشكل لافت، ما انعكس على ملامح وجهه من خلال بروز عظام الفكّين وهزال الوجنتين وغور الخدود، إلى جانب بروز الأذنين بشكل أوضح من السابق. كما بدت كتفاه أقلّ تماسُكًا، في مشهد يوحي بتراجع في الحضور الجسدي العام، رغم محاولته التعويض عن ذلك عبر شدّ الظهر واتخاذ وضعية جلوس-وقوف توحي بالقوة والثبات، وإن بدت في بعض لحظاتها أقرب إلى التصنّع.
هذا التباين بين التراجع الجسدي ومحاولة إظهاره بصورة متماسكة ترافق مع حركية مفرطة في اليدين، وكأنها وسيلة لتفريغ الانفعال الداخلي. فقد لجأ نتنياهو بشكل متكرر إلى استخدام يديه أثناء الحديث، لا سيما اليد اليسرى، التي ظهرت في لحظة معينة وهي تتكور على شكل قبضة كما لو أنه يستعد للمواجهة، في إشارة ذات دلالة على حالة التوتر والاستنفار. أما تعابير وجهه، فقد حملت مزيجًا من الغضب والإحباط، مقرونة بمحاولات واضحة للإقناع، فيما بدت حركة اليدين القوية انعكاسًا مباشرًا لمشاعر التحدي والتهديد التي يسعى إلى إيصالها.
على مستوى المضمون الخطابي، حافظ نتنياهو على نمط تكراري واضح، يعكس تمرّسًا مسبقًا على مجموعة من العناوين التي يسعى إلى ترسيخها في وعي الجمهور. وفي مقدمة هذه العناوين، إعادة التأكيد على أنّ إيران تمثّل التهديد الأول، في محاولة لإعادة ترتيب أولويات الصراع وتبرير خياراته السياسية والعسكرية، مع الإيحاء بأنّه كان السبّاق إلى إدراك هذا التهديد منذ عقود. كما واصل الترويج لشعار "تغيير الشرق الأوسط"، وهو الشعار الذي بات يشكّل محورًا مركزيًا في خطابه منذ ما بعد السابع من أكتوبر، إذ يقدّمه كدليل على تحوّل "إسرائيل" إلى قوة إقليمية ودولية، في مقابل الانتقادات المتزايدة التي تتهمه بإضعاف موقعها الدولي.
وفي سياق تعزيز هذه الرواية، لجأ نتنياهو إلى استعراض ما يصفه بالإنجازات العسكرية، مستعيدًا أسلوب التفاخر بعمليات القتل واستهداف القيادات، وهو سلوك يتكرّر في خطاباته ويعكس محاولة لتعويض الضغوط المتزايدة عبر تضخيم الإنجازات وإبرازها كدلائل على النجاح. كما تعمّد الإشارة المتكررة إلى متانة علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، مستخدمًا عبارات مبالغ فيها حول مستوى التنسيق والتشاور، في خطوة تبدو موجهة لامتصاص الانتقادات الداخلية والخارجية التي تتهمه بدفع الولايات المتحدة نحو الانخراط في الحرب.
بالتوازي مع ذلك، حرص نتنياهو على رفع معنويات الجنود والمجتمع، مستخدمًا لغة تمجيدية تعكس محاولة لاستنهاض الروح القتالية، وهي لغة تقترب في بعض جوانبها من أساليب خطابية معروفة في بيئات الصراع. كما واصل التأكيد على تحقيق "الردع"، مكرّرًا أن تحركاته الاستباقية حالت دون تعاظم التهديدات، في حين برز عنصر جديد نسبيًا في خطابه يتمثل في اعتماد قدر من الغموض، إذ امتنع عن الكشف عن خططه المستقبلية، مكتفيًا بالإيحاء بأن "اليد العليا" لا تزال بيده.
ورغم كل هذه المحاولات، بقيت "الأنا" حاضرة بقوة في خطابه، حيث قدّم نفسه بوصفه صاحب الرؤية والقرار، مستندًا إلى سرديات شخصية حول دوره في مواجهة إيران وصناعة التحولات الاستراتيجية، في محاولة واضحة لتعظيم صورته القيادية وربط مصير الكيان بخياراته الفردية.
في المحصلة، يكشف هذا الظهور عن حالة نفسية تتسم بقدر كبير من التوتر والانفعال المكبوت، مقابل جهد واضح لإظهار التماسك والسيطرة. فنتنياهو يبدو مدفوعًا بالحاجة إلى إقناع الداخل والخارج بصوابية قراراته، مع سعي حثيث لتعزيز الرواية العسكرية وتضخيم الإنجازات، في مواجهة مخاوف متزايدة من الفشل الاستراتيجي. وبين محاولات استرضاء المجتمع والجيش، وتسويق الرواية الرسمية، يتشكّل خطاب يعكس قلقًا عميقًا بقدر ما يحاول إخفاءه خلف لغة القوة والتحدي.
الكاتب: غرفة التحرير