تشكل استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة جو كينت لحظة كاشفة داخل بنية القرار الأميركي، خاصة وأنها ترتبط بالعدوان الأميركي الاسرائيلي على إيران وحدود تأثير إسرائيل في قرار شن الهجوم ثم مسار الحرب.
كينت، الذي راكم خبرة ميدانية واستخباراتية منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وصولاً إلى عمله في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، لم يطعن فقط في جدوى الحرب، إنما أيضاً في أساسها القانوني والسياسي، عبر التشكيك بوجود "تهديد إيراني وشيك" الذي بنى عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب سرديته لتحشيد الدعم في الداخل الأميركي. ويبدو هذا الأمر لافتاً، لأن صادر عن شخصية داخل المنظومة الأمنية، وليس من خارجها.
توقيت الاستقالة يكتسب دلالة إضافية. فالإدارة الأميركية، كانت قد بنت سرديتها على ضرورة التحرك الاستباقي، في سياق يعيد إلى الأذهان أنماطاً سابقة من تبرير الحروب. استحضار تجربة حرب العراق 2003 في خطاب كينت كانت إشارة إلى مسار سياسي سبق أن قاد واشنطن إلى تدخل طويل ومكلف، على قاعدة معلومات ثبت لاحقاً هشاشتها. هذا الربط يعكس إدراكاً داخل بعض دوائر القرار بأن الأزمة الحالية تتجاوز بعدها الإقليمي، وتمس مصداقية النظام السياسي الأميركي نفسه.
خلفية كينت تفسر جانباً من حدة موقفه. فالرجل ضابط قوات خاصة شارك في عمليات متعددة، قبل أن ينتقل إلى العمل الاستخباراتي. هذه الخبرة الميدانية، المقترنة بتجربة شخصية مؤلمة تمثلت بمقتل زوجته في سوريا، تضفي على خطابه بعداً مختلفاً عن الخطاب السياسي المعتاد. موقفه من الحرب يُقرأ أولاً من زاوية كلفة الانخراط العسكري على المستوى البشري، وهي زاوية غالباً ما تُهمّش في النقاشات الرسمية.
دلالات الاستقالة تتصل أيضاً بطبيعة التحالفات داخل واشنطن. الاتهام المباشر بوجود ضغط إسرائيلي ولوبي مؤثر يعيد فتح ملف العلاقة بين صانع القرار الأميركي وشبكات التأثير المرتبطة بحلفاء الولايات المتحدة. في هذا السياق، يبرز دور لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية أيباك كأحد أبرز الفاعلين في المجال السياسي، بما يمتلكه من قدرة على التأثير في الكونغرس والبيئة الانتخابية. وهو ما يؤثر بشكل مباشر على رأي الناخبين الاميركيين، والذين باتوا يتساءلون عن الهدف من هذه الحرب، بعد أن لجأ ترامب إلى تغييرها وتبديلها عدة مرات خلال أيام الحرب الأولى، بدءاً من اسقاط النظام إلى فتح مضيق هرمز.
تكشف الاستقالة كذلك عن تصدع داخل التيار الذي أوصل ترامب إلى السلطة. شعار "أميركا أولاً" الذي شكّل قاعدة هذا التيار، قام على تقليص الانخراط العسكري الخارجي، والتركيز على الداخل. تضع الحرب على إيران هذا الشعار أمام اختبار عملي، وتفتح المجال أمام انقسام بين من يرى في التدخل ضرورة استراتيجية، ومن يعتبره انحرافاً عن التعهدات الأصلية. خروج كينت من موقعه يقدّم مؤشراً على أن هذا الانقسام بات ينعكس في مواقف داخل المؤسسات واللوبيات في الدولة العميقة.
على مستوى المؤسسات، تطرح الاستقالة سؤالاً حول آليات اتخاذ القرار في قضايا الحرب. تجاهل أو تهميش تقديرات أجهزة الاستخبارات لصالح اعتبارات سياسية أو ضغوط خارجية يعيد النقاش حول التوازن بين المؤسسات المنتخبة والأجهزة التنفيذية. كما يعيد إحياء الجدل حول دور الكونغرس في ضبط صلاحيات الحرب، في ظل سوابق أظهرت قدرة السلطة التنفيذية على توسيع هامش تحركها.
تأتي الاستقالة في وقت يلاحظ فيها التخبط في تصريحات ترامب عن أهداف الحرب ومدتها وسير الأحداث فيها، وتارة أخرى عن طلب المساعدة من أطراف آخرين ثم رجوعه عن ذلك، اضافة لدفع إسرائيلي إلى تصعيد متزايد يتمثل بسلسلة الاغتيالات والتي تؤخر بدورها أي فرصة لتفاوض جدي. كل ذلك، يقرأ عند الناخب الأميركي الذي يراقب أسعار النفط والمواد الغذائية وغيرها كجرس انذار، يجعله يعيد تقييم هذه الإدارة في الانتخابات النصفية بعد أشهر قليلة.
الكاتب: غرفة التحرير