الأربعاء 18 آذار , 2026 08:10

كيف قرأ لاريجاني مسار المواجهة مبكرًا

رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني

لطالما كان علي لاريجاني رمزًا للدهاء الاستراتيجي والرصانة في السياسة الإيرانية، رجل استطاع عبر سنوات طويلة من الخدمة أن يقرأ ملامح الصراع مع الغرب بحدة ووضوح يفوق الكثيرين. فبينما يركز الكثيرون على الملفات الظاهرية، مثل البرنامج النووي، كان لاريجاني يدرك أن العداء الغربي لإيران يتجاوز الملفات المعلنة ليكون بنيويًا ومستمرًا على مستوى الهيكل الاستراتيجي للنظام الإيراني، وهو ما جعله دائمًا على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تهديدات أو تحركات سياسية ضد بلاده.
لقد تجلّت هذه الرؤية بشكل واضح في مقابلة أجرتها معه الغارديان عام 2006، حين كان يشغل منصب أمين مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني. ففي حوار مباشر، عبّر لاريجاني عن اقتناعه الراسخ بأن الغرب لن يكتفي بالملف النووي، وأن أي ضغط يُمارس على إيران ما هو إلا انعكاس للعداء المستمر للنظام الإسلامي الإيراني، قائلاً: "لو لم يكن الملف النووي لوجدوا سببًا آخر… الضغط الذي يمارسونه علينا سبب كافٍ للريبة واليقظة". وتعكس هذه العبارة جوهر فهمه العميق لطبيعة الصراع مع الاستكبار وأميركا وأنه ليس مرتبطًا بملف محدد، بل معركة مستمرة على بقاء النظام واستقلاله الاستراتيجي.
كما تنبّه لاريجاني مبكرًا في عام 2006 إلى الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية لأي تصعيد، مؤكدًا أن أي تصعيد محتمل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير وإغلاق محتمل لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم لتصدير الطاقة. وهذا التحذير لم يكن مجرد توقع، بل يعكس قدرته على ربط التحركات بالنتائج الاستراتيجية والاقتصادية على الساحة العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة إيران على استخدام موقعها الجغرافي كأداة ضغط متوازنة ومدروسة.
عقلية لاريجاني التحليلية وخبرته الطويلة جعلته خطًا صعبًا أمام مشاريع العدو. ولذا عمد العدو فجر أمس إلى اغتياله في طهران. وبفضل قربه من قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي ومشاركته المباشرة في صياغة القرارات الاستراتيجية، تمكن لاريجاني من قراءة تحركات العدو مسبقًا، وقياس تأثيرها على الأسواق العالمية. هذا الفهم العميق مكنه من استباق الضغوط، وتقديم ردود مدروسة تعكس صلابة النظام وقدرته على مواجهة التحديات دون الانجرار إلى أي مساومة.
بالإضافة إلى ذلك، كان لاريجاني يجمع بين الصرامة والحكمة العملية؛ وكان صلبًا ومحنكًا، قادرًا على استخدام المرونة الدبلوماسية حيثما كان ذلك ضروريًا، مما يجعل قراءته للصراع مع الغرب أكثر دقة وواقعية. كما أن خبرته الطويلة مع حرس الثورة ومجلس الأمن القومي الأعلى، وقربه من القيادة العليا، أكسبته قدرة على فهم التوازنات الإقليمية والدولية وربطها بالسياسات الداخلية، وهو ما عزز مكانته كمرجع استراتيجي داخل النظام الإيراني.
لذا يمكن القول إن قراءة لاريجاني للصراع مع الغرب منذ عقود لم تكن مجرد رد فعل، بل استشراف لمستقبل إيران واستراتيجياتها في مواجهة القوى الخارجية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور