الأربعاء 18 آذار , 2026 09:10

قراءة من الداخل الإيراني في خضم العدوان الأمريكي-الإسرائيلي

العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران

يبرز العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران بوصفه محطة مفصلية تعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل النظام العالمي، وحدود القانون الدولي، وإمكانات الردع في منطقة غرب آسيا. ومن داخل إيران، تتشكل رواية مغايرة لما يُطرح في الإعلام الغربي، تسعى إلى تأطير ما جرى ليس كتصعيد عابر، بل كحلقة ضمن مسار أوسع من الضغوط والاستهداف الممنهج. في هذا السياق، يقدم هذا المقال قراءة من الداخل الإيراني، تضيء على خلفيات العدوان، أبعاده القانونية والسياسية، وطبيعة الرد الإيراني كما يُفهم ضمن معادلة التصعيد المفتوح في المنطقة.

القانون الدولي تحت الحصار
في صباح يوم السبت 28 شباط/فبراير 2026، بالتزامن مع اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك، بدأ أسبوع العمل على وقع دويّ عدة انفجارات في طهران وبعض المدن الإيرانية الأخرى، معلنةً انطلاق عدوان مشترك جديد من قبل الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران. جاء ذلك رغم أن إيران كانت، خلال الأسابيع السابقة، منخرطة في مفاوضات مع الولايات المتحدة بكامل الجاهزية وحسن النية، وبحسب اعتراف وزير خارجية سلطنة عُمان الذي لعب دورًا نشطًا في الوساطة، كان الاتفاق يبدو قريب المنال.
هذه هي المرة الثانية خلال ثمانية أشهر فقط التي تتعرض فيها إيران لعدوان مماثل في خضم مفاوضات جدية ومثمرة. إلا أن ذلك لم يكن نتيجة سذاجة إيرانية، إذ دخلت إيران هذه المفاوضات وهي تستحضر تجربة مريرة من عدم الوفاء وخيانة المسار الدبلوماسي من الطرف الآخر. ومع ذلك، فإن القلق الجدي الذي أبدته عدة دول مجاورة، من بينها تركيا وقطر وسلطنة عُمان، بشأن تداعيات أي صراع عسكري في المنطقة، إضافة إلى إصرارها وجهودها المستمرة، دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات لإثبات موقفها. ولم يعد خافيًا على أحد أن إيران دخلت الحوار بأقصى درجات المرونة وقدمت مبادرات واضحة، وسعت بصدق لتفادي حرب جديدة.
لكن، وكما كان متوقعًا، استهدف العدوان المشترك بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة طاولة المفاوضات وكل القواعد والمعايير الدولية. والأسوأ من ذلك، أن مسؤولين أمريكيين كبار أقرّوا بأن هذا العدوان كان مخططًا له مسبقًا منذ فترة طويلة، ما يعني أن عملية التفاوض برمتها لم تكن سوى عملية خداع منذ البداية، ليس فقط ضد إيران، بل أيضًا ضد المجتمع الدولي والدول الوسيطة. وهذا يثبت أن الادعاء الأمريكي بعدم جدية إيران في المفاوضات ليس سوى مزاعم واهية ومضللة للرأي العام. كما أن ادعاء الرئيس الأمريكي بأن الهجوم كان استباقيًا لإحباط نية إيرانية لمهاجمة الولايات المتحدة، تم رفضه من قبل البنتاغون وأجهزته الاستخباراتية.
بدأ هذا العدوان باستهداف منزل قائد الثورة الإسلامية في إيران، ما أدى إلى استشهاده وعدد من أفراد عائلته، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم السنة الواحدة. وتبع ذلك في اليوم نفسه عدة هجمات صاروخية على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران، أسفر عن سقوط 165 طفلًا دون سن الحادية عشرة، في مشهد يعكس حجم الوحشية وانتهاك القوانين واعتماد سياسات إرهابية من قبل الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، في خرق صارخ للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، بما في ذلك حرمة استهداف القادة السياسيين والمدنيين.
كما أن النمط المتكرر للهجمات المتعمدة والواسعة والمنهجية التي ينفذها الكيان الإسرائيلي، بدعم أمريكي، ضد المباني السكنية والبنى التحتية، بما فيها المستشفيات والمدارس ومقار الهلال الأحمر ووسائل الإعلام ومنشآت المياه والطاقة، يبرز حجم الجرائم المرتكبة.
ولا شك أن هذا العدوان غير قانوني وغير مبرر. إذ يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على حماية سيادة الدول وسلامة أراضيها ومنع استخدام القوة. كما يفرض القانون الدولي على الدول عدم السماح باستخدام أراضيها لتنفيذ أعمال عدوانية تنتهك سيادة دول أخرى أو استقلالها السياسي.
إن هذا العدوان المتجدد يمثل مؤشرًا خطيرًا على تآكل النظام الدولي، وعجز المؤسسات الدولية، وضعف القانون الدولي، واستبداله بمنطق القوة، وعودة مظاهر الإمبريالية الصريحة. كما أن تجاهل تسمية المعتدين من قبل بعض المؤسسات الدولية يشكل خطأً فادحًا ستكون له تبعات خطيرة. أما سياسة “السلام عبر القوة” التي أعلنتها الولايات المتحدة، فقد تحولت عمليًا إلى هيمنة بالقوة، فيما بات الكيان الإسرائيلي المستفيد الأكبر من هذه السياسة، دون أي محاسبة. وإذا استمر هذا النمط، فإن دولًا أخرى في المنطقة قد تتعرض لاعتداءات مماثلة، ما لم يتم التصدي لهذه السياسات.
 الرد الإيراني
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باعتبارها من القوى التقليدية في غرب آسيا، لم تبادر يومًا إلى شن الحروب، بل لعبت لعقود دورًا مسؤولًا، وقدمت تضحيات للحفاظ على استقرار المنطقة ومواجهة التهديدات، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة مثل “داعش”، والتصدي لتهريب المخدرات وغيرها. كما أن سياسة ضبط النفس التي انتهجتها إيران في مواجهة الاستفزازات والاعتداءات، كانت تهدف إلى تجنب التصعيد العسكري.
غير أن هذا النهج فُسّر خطأً من قبل بعض الأطراف على أنه ضعف أو عجز عن الرد. كما أدى الاعتقاد بأن ردود إيران ستكون دائمًا محسوبة إلى تعزيز هذه القراءة الخاطئة، رغم تحذيرات إيران المتكررة بأنها لن تتسامح مع استمرار التهديدات الإسرائيلية.
وقد أكدت إيران مرارًا أن أي عدوان سيُعتبر تهديدًا وجوديًا، وسيُواجه برد حازم ومتناسب وفقًا للقانون الدولي. كما شددت على مبدأ عدم تجزئة الأمن في المنطقة، وسعت إلى تعزيز التعاون الإقليمي لبناء بيئة مستقرة لا يكون فيها أمن طرف على حساب آخر.
اليوم، بات الوضع واضحًا: إيران تتعرض لتهديد وعدوان مستمرين، ولا يمكن تبرير ذلك بذريعة “الهجوم الاستباقي”، وهو مفهوم لا أساس له في القانون الدولي. بل إن الهدف المعلن لهذا العدوان هو تغيير النظام في إيران وتقسيمها، بما يحقق السيطرة الأمريكية على مواردها النفطية، ويعزز الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.
في مواجهة هذا التهديد الوجودي، تمارس إيران حقها المشروع في الدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وتسعى، إلى جانب الدفاع، إلى فرض كلفة رادعة على المعتدين لمنع تكرار العدوان مستقبلًا.
ولا ترى إيران أي خطوط حمراء في الدفاع عن نفسها، مع تأكيدها احترام مبدأ حسن الجوار. وتستهدف إجراءاتها الدفاعية مواقع تابعة للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في بعض دول المنطقة، والتي تُستخدم منذ فترة للإضرار بأمنها.
وبحسب الرواية المطروحة، فقد تمكنت إيران من تحقيق توازن ميداني، بل والتفوق في بعض الجبهات، عبر إلحاق خسائر بالخصوم، ما أدى إلى تصاعد الخلافات بينهم، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط عليهم، وهو ما يظهر في حالة الارتباك لدى الإدارة الأمريكية.
هذه الحرب لم تكن خيار إيران، بل فُرضت عليها. وهي، من هذا المنظور، حرب دفاعية وطنية، يؤكد الإيرانيون خلالها استعدادهم للتضحية دفاعًا عن أرضهم وسيادتهم.
وفي الختام، تدعو إيران ما تصفه بـ"الضمائر الحية" في العالم إلى الوقوف إلى جانبها، وعدم السماح باستمرار ما تعتبره عدوانًا دون محاسبة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور