منذ بدء العدوان الأميركي–الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في 28 شباط، لم تعد المواجهة محصورة ضمن جغرافيا محددة، بل أخذت طابعًا إقليميًا متدرّجًا، تداخلت فيه مختلف الساحات وتكاملت فيه الأدوار. ومع دخول حزب الله في لبنان على خط الاشتباك المباشر، وتصاعد وتيرة استهداف القواعد والمصالح الأميركية في العراق، إضافة إلى الضربات الإيرانية للمصالح الأميركية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، تبدو المنطقة أمام مشهد يتجه نحو مزيد من التوسّع المنظّم. في هذا السياق، تبرز الجبهة اليمنية على أهبة الاستعداد للانخراط في المواجهة.
مصادر أمنية رفيعة في محور المقاومة، نقلت عبر موقع "الخنادق"، تؤكد أن طرفًا إقليميًا مؤثرًا بات قاب قوسين أو أدنى من إعلان مشاركته في الحرب الدفاعية التي تشهدها المنطقة. وبحسب هذه المعطيات، فإن هذا الطرف، الذي يملك خبرة متراكمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، يعتبر أن ما يجري هو عدوان يتجاوز إيران ليطال مجمل المنطقة وهويتها السياسية والاستراتيجية، ما يفرض – من وجهة نظره – تفعيل مبدأ "وحدة الساحات" بشكل عملي.
اليمن، الذي خاض خلال السنوات الماضية حربًا طويلة في ظل حصار قاسٍ، يقدّم نفسه اليوم كفاعل يمتلك دوافع مزدوجة؛ من جهة، البعد المبدئي المرتبط باعتبار المعركة دفاعًا عن قضايا الأمة، ومن جهة أخرى، البعد السيادي المرتبط بكسر الحصار المفروض عليه منذ سنوات. هذا التلاقي بين البعدين يمنح أي قرار بالمشاركة بعدًا يتجاوز التضامن السياسي إلى إعادة تموضع استراتيجي في الإقليم.
عسكريًا؛ فإن انخراط الجبهة اليمنية. والتجربة التي راكمتها صنعاء في استخدام الصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى، إضافة إلى قدرتها على تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تجعل منها عنصر إرباك حقيقي لأي منظومة دفاعية معادية. ومع إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، فإن فتح جبهة موازية في باب المندب من شأنه أن يضاعف الضغط على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ويضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام تحديات لوجستية وأمنية معقّدة.
كما أن دخول اليمن على خط المواجهة سيعني عمليًا توسيع رقعة الاشتباك من الخليج إلى البحر الأحمر، مرورًا بالعراق، وهو ما يعزّز فرضية "تعدّد الجبهات" التي لطالما شكّلت هاجسًا استراتيجيًا للكيان الإسرائيلي. فبدل مواجهة طرف واحد أو جبهة محددة، يجد نفسه أمام شبكة مترابطة من الفاعلين، لكل منهم أدواته وقدراته وساحته الخاصة.
في المقابل، لا يبدو أن هذا التصعيد يجري بشكل عشوائي، بل ضمن إيقاع محسوب يهدف إلى استنزاف الخصم وتفكيك تفوّقه. فالتدرّج في إدخال الجبهات، من لبنان إلى العراق، وصولًا إلى احتمالية دخول اليمن، يعكس استراتيجية تقوم على توزيع الضغط وتوسيع دائرة الاشتباك بما يمنع تركيز القوة في نقطة واحدة.
وعليه، فإن أي إعلان رسمي عن انخراط اليمن لن يكون مجرد خطوة إضافية في سياق التصعيد، بل تحوّل نوعي في طبيعته، ينقل المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الولايات المتحدة و"إسرائيل" على احتواء هذا الامتداد، في ظل بيئة إقليمية تبدو أكثر قابلية للاشتعال، وأقل استعدادًا للعودة إلى قواعد الاشتباك التقليدية أو التهدئة حالياً.
في المحصلة، تقف المنطقة اليوم على عتبة مرحلة جديدة، حيث لم تعد حدود المعركة واضحة، ولا سقوفها قابلة للضبط بسهولة. وبينما تتجه الأنظار إلى اليمن، يبقى السؤال الأبرز: هل نشهد قريبًا الإعلان الذي سيفتح فصلًا جديدًا في التصعيد الذي يتسع يومًا بعد يوم؟
الكاتب: غرفة التحرير