تشهد الجبهة اللبنانية في هذه المرحلة واحدة من أكثر لحظات الاشتباك تعقيداً منذ اندلاع المواجهة، حيث يتقاطع التصعيد الميداني مع تحولات تكتيكية واضحة لدى طرفي الصراع. ففي وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي محاولاته لفرض وقائع ميدانية عبر التوغلات المحدودة وسياسة "الأرض المحروقة"، تثبت المقاومة قدرتها على إدارة معركة متعددة الأبعاد، قائمة على المبادرة النارية والمرونة العملياتية.
خلال الساعات الأخيرة، برزت سمة أساسية في المشهد، تمثلت في الارتفاع اللافت لوتيرة العمليات العسكرية التي نفذتها المقاومة، والتي بلغت مستوى قياسياً من حيث العدد والتنوع، ما يعكس قدرة عالية على التحكم بسير المعركة رغم شدة الضغط الجوي والمدفعي. هذا التصعيد لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن سياق مدروس يستهدف إجهاض محاولات الاحتلال تثبيت موطئ قدم بري على طول الحافة الأمامية للحدود.
وفي سياق هذا التصعيد المتدرج، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن حادثة لافتة تمثلت في إطلاق طائرة مسيّرة قادمة من لبنان صاروخين باتجاه مركبتين على الحدود الشمالية، ما أدى إلى مقتل من بداخلهما. ورغم محدودية الحدث من حيث الحجم، إلا أن دلالاته العملياتية عميقة، إذ يعكس قدرة المقاومة على استخدام المسيّرات الهجومية بدقة ضد أهداف متحركة، وليس فقط ثابتة، ما يوسّع من هامش التهديد ويعقّد حسابات الحركة لدى القوات الإسرائيلية، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس.
في المقابل، يبدو أن جيش الاحتلال يواجه مأزقاً ميدانياً واضحاً. فعلى الرغم من حشد عدة فرق عسكرية وتوزيعها على مختلف القطاعات، إلا أن نشاطه لا يزال محصوراً في نطاق ضيق على القرى الحدودية، دون القدرة على تحقيق اختراق نحو العمق. هذا العجز يعكس خللاً في القدرة على ترجمة التفوق الناري إلى إنجاز ميداني، ويؤكد أن البيئة العملياتية التي تفرضها المقاومة لا تزال تتحكم بإيقاع المعركة.
وتتضح ملامح هذا المأزق أكثر مع لجوء الاحتلال إلى استهداف البنية التحتية الحيوية. فقد دمرت "إسرائيل" أحد أبرز وأكبر الجسور التي تربط ضفتي نهر الليطاني بين جنوبه وشماله، في وقت تواجه فيه قواتها صعوبات ميدانية في التقدم نحو المناطق الواقعة جنوب مجرى النهر. وبرر الجيش الإسرائيلي هذه الخطوة بأنها تهدف إلى منع نقل الإمدادات القتالية إلى الجنوب، غير أن هذا التبرير يواجه تشكيكاً واسعاً، خصوصاً في ظل السيطرة الجوية الكثيفة التي يفرضها الطيران الحربي على مختلف الممرات، ما يقلل من الحاجة إلى استهداف جسور مدنية بهذا الحجم.
وتذهب تقديرات عسكرية إلى أن هذه الضربات تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى عزل الجنوب عن باقي الأراضي اللبنانية، تمهيداً لفرض واقع ميداني جديد أو إنشاء منطقة عازلة، وهو ما يعكس انتقالاً واضحاً من محاولة الحسم السريع إلى اعتماد سياسة "الخنق التدريجي".
في المقابل، يواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي صعوبات كبيرة في التقدم والتمركز منذ الثاني من آذار، حيث استهدفت المقاومة تجمعات للجنود الإسرائيليين في عشرات النقاط، أبرزها تلة المحيسبات، مشروع الطيبة، خربة الكسيف، مدينة الخيام ومحيطها، جل الحمار، غابة عيترون، الضهيرة، مارون الراس، علما الشعب، يارون، الناقورة، إضافة إلى مناطق حدودية أخرى.
كما نفذت المقاومة عمليات مركزة استهدفت تجمعات الجنود والآليات في العديسة ومركبا (جبل وردة) وتلة المحيسبات ومشروع الطيبة وجديدة ميس الجبل وشرق الخيام وخلة البستان، باستخدام مزيج من الصواريخ والقذائف المدفعية، في إطار تكتيك يقوم على استنزاف القوة البشرية والآلية للعدو.
وامتدت العمليات إلى ما خلف خط الحدود، حيث طالت الضربات مواقع عسكرية وثكنات ثابتة، من بينها موقع حانيتا، موقع رأس الناقورة البحري، موقع الحمامص، موقع مسكاف عام، موقع المرج، موقع رويسات العلم، موقع الراهب، موقع بركة ريشا، إضافة إلى مواقع مستحدثة في جبل الباط ونمر الجمل. كما استهدفت ثكنات أفيفيم عدة مرات، إلى جانب راموت نفتالي وبرانيت وهونين وقاعدة ناحل غيرشوم، فضلاً عن قاعدة ميرون للمراقبة الجوية، في مؤشر على اتساع رقعة الاشتباك وعمق الاستهداف.
تكتيكياً، اعتمدت المقاومة نمط "الدفاع النشط"، الذي لا يكتفي بصد التوغلات، بل يبادر إلى استهداف خطوط الإمداد والتجمعات الخلفية للعدو، ما يحول أي تقدم إلى عبء ميداني مكلف. وقد ظهر ذلك بوضوح في استخدام الصواريخ المضادة للدروع، التي لا تزال تشكل تهديداً جدياً لأي تحرك آلي على الأرض، إضافة إلى الضربات الدقيقة التي تستهدف نقاط الارتكاز.
إلى جانب ذلك، شكّلت "مناورة النار" أحد أبرز عناصر التفوق في الأداء العملياتي، حيث اعتمدت المقاومة على كثافة نارية عالية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، مع استخدام تكتيك "الأسراب" الذي أتاح اختراق أنظمة الدفاع الجوي وضرب أهداف نوعية داخل العمق، ما يربك منظومات القيادة والسيطرة لدى العدو ويفرض عليه حالة استنزاف مستمرة.
في المقابل، يواصل الاحتلال تصعيده الجوي، مستهدفاً مباني وأهدافاً مدنية في بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع، في محاولة للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة وتحميلها كلفة المواجهة. إلا أن هذه السياسة، وفق تقديرات ميدانية، لم تحقق أهدافها حتى الآن، بل ساهمت في تعزيز حالة التماسك الداخلي.
وفي هذا السياق، تُظهر البيئة الشيعية حالة التفاف واضحة حول المقاومة، حيث بدت خلال الأيام التي تلت التصعيد أكثر تماسكاً، مع تصاعد الدعوات إلى مواجهة الضغوط وتقييد حرية الحركة الإسرائيلية، رغم استمرار الغارات والدمار الواسع.
على الصعيد النفسي، تبدو المعركة أكثر تعقيداً. فنجاح المقاومة في تحقيق إصابات دقيقة داخل مواقع العدو، واستمرار إطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات، يعمّق حالة القلق داخل المجتمع الإسرائيلي، ويضع قيادته أمام معادلة صعبة بين التصعيد أو البحث عن مخرج سياسي. في المقابل، تحاول "إسرائيل" تعويض إخفاقها الميداني عبر تكثيف الضربات الجوية لإظهار صورة السيطرة.
في المحصلة، يمكن القول إن الجبهة اللبنانية دخلت مرحلة "عض الأصابع"، حيث يسعى كل طرف إلى استنزاف الآخر. غير أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن زمام المبادرة لا يزال بيد المقاومة، التي تمكنت من فرض معادلة قائمة على منع التقدم البري، مقابل استمرار الضغط الناري.
هذا التوازن الهش يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تبدأ من استمرار الاستنزاف المتبادل، ولا تنتهي عند احتمالات التصعيد الأوسع. لكن الثابت حتى الآن هو أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة حدودية، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي لقدرة كل طرف على إدارة حرب طويلة النفس، تتجاوز الحسابات التقليدية للقوة والردع.
الكاتب: غرفة التحرير