يبرز الموقف الباكستاني خلال العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران، كموقف متمايز نسيباً عما سواه من مواقف الدول في الإقليم، التي تدعي الحياد فيما هي تقوم بدعم العدوان بكل الوسائل غير العلنية، وخاصةً منها الاستخباراتية والعسكرية.
لذلك حظي الموقف الباكستاني المتمايز، بالتفاتة مهمة من قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي خلال رسالته العامّة الثانية بمناسبة عيد النوروز حينما قال: "إن ما ذكرته بشأن رؤية وسياسة النظام تجاه العلاقات مع الدول المجاورة هو أمر جاد وواقعي. فإلى جانب عنصر الجوار، هناك عناصر معنوية أخرى، في مقدمتها الاشتراك في الدين الإسلامي، إضافة إلى وجود المزارات والأماكن المقدسة في بعض هذه الدول، ووجود أعداد كبيرة من الإيرانيين المقيمين والعاملين في بعضها الآخر، فضلًا عن الروابط القومية أو اللغوية، أو المصالح الاستراتيجية المشتركة، خاصة في مواجهة جبهة الاستكبار، وكل عنصر من هذه العناصر يمكن أن يسهم في تعزيز العلاقات. ومن بين هذه الدول، نرى جيراننا الشرقيين قريبين جدًا منا. وقد كنت أعلم منذ زمن أن باكستان دولة كانت تحظى باهتمام خاص من قائدنا الشهيد، وقد تجلّى ذلك في تأثره البالغ خلال خطبته بسبب الفيضانات المدمّرة التي هدّدت أرواح المسلمين هناك. وأنا أيضًا كنت دائمًا أحمل هذا الشعور، وعبّرت عنه في مناسبات مختلفة. ومن هنا، أودّ أن أدعو البلدين الشقيقين، أفغانستان وباكستان، إلى تعزيز علاقاتهما لما فيه رضا الله، وتجنّبًا لفرقة المسلمين، وأنا مستعدّ، من جانبي، للمساهمة في أي خطوات لازمة بهذا الشأن".
أما الشكر الإيراني الصريح على موقف باكستان التضامني وأهميته خلال العدوان، فكان عبر وزير خارجية الجمهورية الإسلامية في إيران السيد عباس عراقجي، الذي قال في تغريدة له على موقع X باللغة الأردية : "أتقدم بخالص الشكر لحكومة وشعب باكستان على التضامن القوي والدعم الذي أبدوه لشعب وحكومة جمهورية إيران الإسلامية في مواجهة عدوان الولايات المتحدة والنظام الصهيوني".
ان بابرکت، الٰہی اور روحانی دنوں اور گھڑیوں میں،
— Seyed Abbas Araghchi (@araghchi) March 16, 2026
میں حکومت اور عوامِ پاکستان کا تہہِ دل سے شکریہ ادا کرتا ہوں کہ انہوں نے امریکہ اور صہیونی رجیم کی جارحیت کے مقابلے میں عوام اور حکومتِ اسلامی جمہوریہ ایران کے ساتھ اپنی یکجہتی اور حمایت کا بھرپور اظہار کیا۔
باكستان ودورها الوسيط
وكان لافتاً ما تكشف من تفاصيل عن لقاء قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير مع علماء الشيعة في باكستان، حيث بدأ المشير منير حديثه بالقول إن الاستعمار دمّر العديد من الدول، مثل ليبيا والعراق وسوريا وغيرها من الدول، والآن جاء الدور على إيران، حيث تُمارَس بحقها مظالم. وهذا ما يعدّ إشارة واضحة الى إدراك قائد باكستان الفعلي، أن العدوان الصهيوالأمريكي على إيران ما هو إلّا حرباً استعمارية أخرى، هدفها الواضح هو تدمير الدول وليس الذرائع التي تطلقها الإدارة الأمريكية على جري عادتها لتبرير اعتداءاتها على هذه الدول. وكشف منير أن هناك 3 دول تقف حالياً إلى جانب إيران، وهي الصين وروسيا وباكستان، مشيراً إلى أن "أراضي باكستان لن تُستخدم بأي شكل من الأشكال ضد إيران".
وفي جانب متصل، تُشارك باكستان بشكل جدي في جهود الوساطة غير المباشرة بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا. حيث زعم موقع "أكسيوس" الأمريكي مؤخراً، أن وسطاء دوليين يحاولون عقد اجتماع بين الدولتين في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، هذا الأسبوع. وأفاد الموقع بأن باكستان وتركيا ومصر قامت، خلال اليومين الماضيين، بنقل رسائل بين إيران وأمريكا، في إطار جهود دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد. ونقل الموقع عن مصدر أمريكي قوله إن "وزراء خارجية الدول الثلاث أجروا محادثات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي". وقال مصدر مطلع على التفاصيل لأكسيوس: "الوساطة مستمرة وتحرز تقدما، النقاش يدور حول إنهاء الحرب وحل جميع القضايا العالقة.. نأمل أن نحصل على إجابات قريبا".
ولا شكّ أن الموقف الباكستاني لا يقتصر على الدعم السياسي فقط، أو إجراء الوساطة، بل في الإعلان الواضح على رفض حصول أي اعتداء أمريكي ضد إيران انطلاقاً من الأراضي الباكستانية، بشكل مباشر أو عبر أطراف بالوكالة أي (المجموعات البلوشستانية الإرهابية بتصنيف الدولتين).

نمط سياسي-استراتيجي
لذلك لا يمكن قراءة السلوك الباكستاني بوصفه موقفاً ظرفياً أو ردّ فعل عابر، بل باعتباره تعبيراً عن نمط سياسي-استراتيجي متماسك يقوم على إدارة التوازنات بدقّة، ضمن بيئة دولية شديدة الاستقطاب، وبما يقدّم المصالح الوطنية والقومية على ما عداها. فباكستان، رغم ارتباطاتها التاريخية العميقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، نجحت في الحفاظ على هامش مناورة فعّال، مكّنها من اتخاذ مواقف أقل اندفاعاً، وأكثر اتساقاً مع محددات أمنها القومي وضرورات توازنها الإقليمي.
ويعكس هذا النموذج ما يمكن تسميته بـ"الاستقلال النسبي"، الذي لا يُلغي الارتباط بالقوى الكبرى، بل يُعاد توظيفه ضمن مقاربة براغماتية تعطي الأولوية للمصلحة الوطنية، وتمنع الانخراط الكامل في محاور قد تُقوّض الاستقرار الداخلي والإقليمي وتفرض أثماناً استراتيجية باهظة. ومن هنا، يتقدّم السلوك الباكستاني كحالة تطبيقية لإدارة العلاقات الدولية على قاعدة "تعدد الشراكات" بدلاً من "الاصطفاف الحاد".
وفي سياق متصل، على الدول الإقليمية المحورية مثل تركيا ومصر، أن تتخذ من النموذج الباكستاني خياراً واقعياً في العلاقات الخارجية، يوفّر إمكانية إعادة ضبط علاقاتها الدولية بطريقة تحافظ على مصالحها الوطنية، وفي الوقت عينه يؤمن الاستقرار الإقليمي، ويجنبها الانزلاق الى صراعات لا مصلحة لها به.
الكاتب: غرفة التحرير