لم يعد توصيف ما يجري في الشرق الأوسط بأنه "تصعيد" كافيًا لفهمه. نحن أمام نموذج حرب جديد: صراع مُدار تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، ويتقدّم فيه التفاوض على وقع النيران. في هذا السياق، لم يعد السؤال متى تتوقف الحرب، بل من يملك القدرة على فرض إيقاعها وشروط نهايتها.
في الواجهة، تتحرك واشنطن دبلوماسيًا عبر طرح لقاء محتمل بين جي دي فانس ومحمد باقر قاليباف. هذه المبادرة تبدو، شكليًا، محاولة لخفض التصعيد. لكن في السياق الفعلي، تعكس إدراكًا متزايدًا داخل الإدارة الأمريكية بأن استمرار المواجهة المفتوحة يفرض كلفة استراتيجية يصعب احتواؤها. بعبارة أكثر دقة: الولايات المتحدة لا تقود التهدئة، بل تبحث عنها.
في المقابل، تكشف المعطيات الميدانية عن مسار أكثر حدة. وفق ما أوردته وكالة فارس، استهدفت ضربات أمريكية–إسرائيلية منشآت طاقة حيوية في أصفهان وخرمشهر، شملت مرافق الغاز وخطوط الإمداد المرتبطة بإنتاج الكهرباء. هذا التحول في بنك الأهداف - من المواقع العسكرية إلى البنية التحتية الحيوية - يشير إلى انتقال الصراع نحو استهداف "القدرة على الاستمرار"، أي العمود الفقري الاقتصادي للدولة.
هذا النوع من الاستهداف لا يمر دون تداعيات. فبينما قد يحقق تأثيرًا تكتيكيًا على المدى القصير، فإنه يرفع في المقابل سقف الردود المحتملة ويُوسّع دائرة الاشتباك. من هنا، يمكن فهم التحركات الإيرانية اللاحقة، سواء عبر التحذيرات بإخلاء مناطق واسعة في شمال فلسطين، أو عبر تكثيف الضغط غير المباشر على الجبهة الشمالية لـ"إسرائيل". الهدف لا يبدو حسمًا سريعًا، بل فرض معادلة استنزاف متدرّجة.
وهنا تتبلور المعادلة المركزية للصراع:
إيران تدير الزمن، فيما تحاول الولايات المتحدة إدارة الأزمة.
طهران تراهن على إطالة أمد الاشتباك ضمن سقف محسوب، بحيث يتحول عامل الوقت إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية. كل يوم إضافي دون حسم يراكم أوراق تفاوضية جديدة. في المقابل، تواجه واشنطن معضلة معاكسة: الزمن يعمل ضدها، إذ ترتفع الكلفة دون تحقيق نتائج حاسمة، وهو ما يفسر التناقض في سلوكها بين الدعوة للتهدئة والاستعداد للتصعيد.
هذا التناقض يتجلى بوضوح في موقف دونالد ترامب، الذي يعلن مهلة لخفض التصعيد، بينما تتواصل التحضيرات العسكرية وتُطرح خيارات هجومية في الخلفية. هذه الازدواجية لا تعكس "استراتيجية مرنة"، بل تشير إلى غياب اتساق في القرار: تصعيد بلا هدف سياسي واضح، وتهدئة بلا أدوات تنفيذ كافية.
في المقابل، يبدو الخطاب الإيراني أكثر اتساقًا مع السلوك الميداني. تصريحات محسن رضائي التي تربط إنهاء الحرب برفع العقوبات وتعويض الخسائر، تضع إطارًا تفاوضيًا صريحًا. الحرب هنا ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة تشكيل شروط العلاقة مع الخصم.
على المستوى الإقليمي، تلعب الوساطات دورًا حاسمًا في منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. تحركات مصر وتركيا وباكستان تعكس إدراكًا بأن انفلات الصراع سيؤدي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ بشكل جذري. وتشير تقارير إعلامية دولية، بينها ما نقلته CNN، إلى اتصالات مكثفة بين هذه الأطراف وواشنطن وطهران لاحتواء التصعيد، ما يعزز فرضية أن التهدئة -إن حصلت- ستكون نتيجة ضغط متعدد الأطراف، لا قرارًا أحاديًا.
في الداخل الإسرائيلي، تتعقد الصورة أكثر. الضغط المتصاعد على الجبهة الشمالية، إلى جانب التهديدات التي تطال العمق الاستراتيجي، يضع منظومة الردع أمام اختبار غير مسبوق. لكن التحدي لا يقتصر على البعد العسكري؛ فهناك مؤشرات على توتر داخلي سياسي ومجتمعي يتزايد مع طول أمد المواجهة، وهو ما قد ينعكس على قدرة صانع القرار على الاستمرار في إدارة حرب مفتوحة دون أفق واضح.
اقتصاديًا، بدأت تداعيات الصراع تتجاوز الإطار الإقليمي. استهداف منشآت الطاقة، والتهديد المستمر لممرات الملاحة، يرفعان من احتمالات اضطراب الإمدادات وتقلب الأسعار عالميًا. في بيئة دولية تعاني أصلًا من هشاشة سلاسل التوريد، قد يتحول أي تصعيد إضافي إلى عامل ضغط مضاعف على الاقتصاد العالمي، وليس فقط على أطراف الصراع.
أما سيناريوهات المرحلة المقبلة، فيمكن قراءتها ضمن ثلاثة مسارات رئيسية:
- استمرار التصعيد المضبوط (السيناريو الأرجح – نحو 60%)، حيث تبقى المواجهة ضمن حدود محسوبة دون انفجار شامل.
- تسوية مؤقتة تحت الضغط (قرابة 25%)، تُجمّد القتال دون معالجة جذوره.
- انفلات واسع النطاق (حوالي 15%)، نتيجة خطأ حسابي أو استهداف بالغ الحساسية، وهو السيناريو الأخطر رغم انخفاض احتماله النسبي.
جميع هذه المسارات تشير إلى نتيجة واحدة: النظام الإقليمي بصيغته التقليدية يتآكل. لم تعد المعادلات القديمة -القائمة على الردع الأحادي أو التفوق العسكري المطلق- قادرة على احتواء هذا النوع من الصراعات المركبة.
الولايات المتحدة لا تنسحب بعد، لكنها فقدت القدرة على فرض الإيقاع منفردة. إيران لا تحسم عسكريًا، لكنها تنجح في إعادة تشكيل قواعد اللعبة تدريجيًا. و"إسرائيل"، رغم تفوقها العسكري، تجد نفسها في بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط.
في النهاية، لا تُقاس هذه الحرب بمن ينتصر ميدانيًا فقط، بل بمن ينجح في فرض تعريف جديد للنصر. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو أن الصراع دخل بالفعل مرحلة إعادة كتابة قواعده، لا مجرد فصوله.
الكاتب: خليل القاضي