الأربعاء 25 آذار , 2026 05:04

صواريخ إيران تضع الخليج أمام مفترق استراتيجي

الاستهداف الإيراني للمصالح الأميركية في دول الخليج

تحولت الضربات الإيرانية الأخيرة في الخليج ردا على العدوان الأميركي الإسرائيلي إلى لحظة كاشفة تعيد رسم معادلات الأمن والسياسة في المنطقة. فمع اتساع رقعة التصعيد، تجد دول الخليج نفسها أمام سؤال وجودي: هل الاستمرار في الاحتماء بالمظلة الأميركية هو الخيار الأكثر أمانًا، أم أن هذه المظلة ذاتها أصبحت مصدر الخطر؟
القراءة الغربية السائدة، كما يعكسها عدد من المحللين الأميركيين، تذهب إلى أن استهداف إيران لدول الخليج سيدفعهم حتمًا نحو مزيد من الارتماء في أحضان واشنطن وتل أبيب. غير أن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أكثر تعقيدًا دول الخليج كانت ضمن دائرة الاستهداف لأنها منخرطة أصلًا في منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، وتُستخدم كمنصات متقدمة في الحرب ضد إيران.
من هذا المنظور، تبدو الضربات الإيرانية محاولة لإعادة تعريف كلفة هذا الانخراط، فإيران، التي تدرك كيف تؤلم الولايات المتحدة بالأوراق التي تملكها، تلجأ إلى استراتيجية الضغط غير المتماثل، عبر استهداف مفاصل الاقتصاد الإقليمي—الطاقة، الممرات البحرية، والاستثمارات الأجنبية—بما يرفع كلفة الحرب على خصومها ويدفعهم لإعادة الحسابات.
في المقابل، تعيش دول الخليج حالة ارتباك استراتيجي. فمن جهة، لا يمكنها التخلي بسهولة عن الحماية الأميركية التي شكلت لعقود عمود أمنها العسكري. ومن جهة أخرى، أظهرت الحرب أن هذا الارتباط نفسه يجرّها إلى حروب لم تخترها، ويحوّل أراضيها إلى ساحات ردّ متبادل. بل إن تجاهل واشنطن لاعتراضات هذه الدول قبل اندلاع الحرب يعمّق الشكوك حول موثوقية الحليف الأميركي.
هنا تحديدًا يبرز "المفترق الاستراتيجي". فدول الخليج أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
أولها، تعميق التحالف مع الولايات المتحدة، وهو خيار يضمن "حماية عسكرية متقدمة" بحسب الأميركيين -ولكن هذا ما لم يظهر حتى الآن-، لكنه يكرّس في الوقت نفسه تبعيتها ويزيد من احتمالات استهدافها في أي تصعيد.
ثانيها، التوجّه شرقًا نحو قوى كالصين وروسيا، وهو خيار مغرٍ نظريًا، لكنه محفوف بضغوط أميركية كبيرة.
أما الخيار الثالث، فيتمثل في بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقلالية، تقوم على تعزيز التعاون الخليجي الداخلي، والانفتاح على قوى "محايدة نسبيًا" مثل الهند وبعض الدول الأوروبية والآسيوية، بما يخفف من حدة الاستقطاب ويقلل من احتمالات الاستهداف.
غير أن ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن هذه الخيارات لا تُتخذ في فراغ، بل تحت ضغط معادلة جديدة فرضتها الحرب فكلما تعمّق الارتباط بالمشروع الأميركي في المنطقة، ارتفعت كلفة هذا الارتباط أمنيًا واقتصاديًا. وكلما اتجهت الدول نحو تنويع شراكاتها، وإيجاد بديل عن أميركا زادت فرص تقليل المخاطر.
في هذا السياق، الخليج لم يعد قادرًا على البقاء في منطقة رمادية بين واشنطن وطهران. إما أن يستمر كجزء من محور واشنطن، مع ما يحمله ذلك من أثمان متزايدة، أو أن يعيد تعريف موقعه بما ينسجم مع مصالحه الذاتية، لا مع أولويات القوى الكبرى. يمكن القول إن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها. فدول الخليج، التي بنت ازدهارها على الاستقرار والانفتاح، تجد نفسها اليوم أمام اختبار غير مسبوق فهل تجرؤ على صياغة معادلة جديدة أقل ارتهانًا وأكثر توازنًا؟


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور