في لحظة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، تبدو الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تخرج تدريجيًا من إطار السيطرة، لتتحول إلى اختبار قاسٍ لفعالية الدبلوماسية الأميركية. فبين خطاب أميركي يدعي "الانتصار الوشيك"، وواقع ميداني يزداد تعقيدًا مع كل يوم في ظل معادلات القوة التي تفرضها إيران، تتسع الفجوة بين ما يُقال وما يجري فعليًا. ومع تراجع فرص التفاوض وارتفاع كلفة المواجهة بحسب مقال نشره موقع "سي ان ان" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، يبرز سؤال حاسم: هل لا تزال الدبلوماسية الأميركية قادرة على احتواء الانفجار، أم أن المنطقة تتجه نحو تصعيد مفتوح قد يعيد رسم توازناتها بالكامل؟
النص المترجم
إذا فشلت دبلوماسية ترامب، فقد تتفاقم الحرب مع إيران بشكل خطير
يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الترويج لفكرة أن الجمهورية الإسلامية مستعدة لإنهاء الحرب، لكن لا توجد أي مؤشرات علنية من طهران تدل على استعدادها للخروج من أزمة هو نفسه أشعلها بعد أن نسف مساره الدبلوماسي السابق قبل نحو أربعة أسابيع. وقال ترامب لأعضاء الكونغرس: "إنهم يريدون عقد صفقة بشدة، لكنهم يخشون الإعلان عن ذلك لأنهم يعتقدون أن شعبهم سيقتلهم... كما أنهم يخشون أن نقتلهم نحن أيضًا"، في تصريح أثار الاستغراب.
هذا التباين يثير الشكوك حول مزاعم ترامب بقرب حدوث اختراق، في وقت يتجه فيه التصعيد نحو مستوى خطير، مع إرسال آلاف الجنود الأميركيين إلى المنطقة.
أي قرار بإشراك هذه القوات في القتال ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى خسائر بشرية أميركية كبيرة، كما قد يفاقم الصدمات الاقتصادية الناجمة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز. كذلك، فإن حربًا طويلة قد تستهلك الولاية الثانية لترامب وإرثه السياسي، خصوصًا أنه وصل إلى السلطة واعدًا بإنهاء الحروب لا إشعالها. لهذا، تبدو الحاجة إلى التفاوض أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لكن السؤال هو: هل فات الأوان بالفعل، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من المواجهة، لإيجاد مخرج دبلوماسي؟
لطالما نجح ترامب في إعادة تشكيل إدراك الواقع لدى الجمهور، لكن المرحلة الحالية تتطلب مضمونًا حقيقيًا لبناء مخرج يحفظ ماء الوجه، من دون تقديم تنازلات لإيران تُفقده مصداقيته. كما تتطلب أيضًا أمرًا لا ينسجم مع أسلوبه: منح الخصم مخرجًا يحفظ كرامته بدل فرض الاستسلام الكامل. ولا يملك ترامب الكثير من الوقت. فالضغوط السياسية والاقتصادية والجيوسياسية تتزايد يومًا بعد يوم. وهو يقترب من معضلة واجهت رؤساء سابقين من فيتنام إلى العراق: هل يصعّد الحرب بحثًا عن مخرج؟
ورغم أن إيران "خسرت جزءًا كبيرًا من قيادتها وقدراتها العسكرية"، فإنها ترحب باستدراج رئيس أميركي إلى مواجهة أكثر دموية.
أسلوب ترامب المتقلب هذا الأسبوع — بين التهديد بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية ثم التراجع والحديث عن اختراقات وشيكة — يعكس نهجه القائم على التطرف في المواقف. لكنه أيضًا يعكس واقعًا قاتمًا: فرص السلام ضعيفة. ويرى آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق في الشرق الأوسط، أن الإيرانيين سيطالبون بثمن لن يكون ترامب مستعدًا لدفعه، ما قد يضطره إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة ليس فقط لفتح مضيق هرمز بل للحفاظ عليه مفتوحًا.
وأضاف أن الحرب تحولت إلى أزمة دولية، قائلاً: "هذه الحرب التي اختارها ترامب أصبحت الآن حرب ضرورة".
ولا يبدو أن الإدارة الأميركية تمتلك مهارة تفاوضية كافية في هذه المرحلة، إذ لم تقدم مبررًا واضحًا للحرب، ولا استراتيجية خروج منها. كما فشلت جهود التفاوض السابقة التي قادها جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، سواء مع إيران أو في ملفات أخرى كأوكرانيا وغزة.
ويُطرح اسم نائب الرئيس جيه دي فانس كوسيط محتمل في محادثات قد تجري برعاية دول مثل باكستان أو تركيا، لكن تغيير الشخصيات لن يزيل انعدام الثقة، خاصة بعد الضربات الأميركية خلال مسار التفاوض. يبدو أن ترامب أكثر رغبة في التفاوض من الإيرانيين، ربما بسبب الضغوط الداخلية وتراجع شعبيته. في المقابل، نفت طهران وجود مفاوضات رغم تلقيها رسائل أميركية، فيما تؤكد واشنطن وجود محادثات "مثمرة". وغالبًا ما تسبق المفاوضات مثل هذه المواقف المتشددة، لكن الفجوة بين الطرفين هنا كبيرة وحقيقية.
شروط متباعدة تعرقل الحل
تطالب إيران بوقف كامل للهجمات والاغتيالات، وضمانات بعدم استئناف الحرب، وتعويضات، ووقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، إضافة إلى مطلب أقصى يتمثل في السيادة على مضيق هرمز.
في المقابل، تتضمن الخطة الأميركية شروطًا مثل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وإنهاء دعمها لحلفائها في المنطقة، وإعادة فتح المضيق. هذا التباعد يعكس مدى تعقيد الأزمة.
ورغم أن إيران أبدت سابقًا استعدادًا للتفاوض حول برنامجها النووي، فإن أي اتفاق سيتطلب رفعًا كبيرًا للعقوبات، ما قد يسمح لها بإعادة بناء قدراتها العسكرية. كما توجد فجوة أعمق: كلا الطرفين يعتقد أنه يحقق النصر.
تؤكد واشنطن أن إيران هُزمت عسكريًا بفعل الضربات الجوية المكثفة. لكن بالنسبة لطهران، فإن مجرد بقاء النظام يُعد انتصارًا.
فهي لا تسعى للفوز في مواجهة تقليدية، بل لإلحاق كلفة عالية بالولايات المتحدة والعالم، بما يجبر ترامب على التراجع.
كما يطرح خطاب ترامب تناقضًا واضحًا: إذا كانت الولايات المتحدة قد انتصرت، فلماذا تستمر في القتال وترسل المزيد من القوات؟
هل لا يزال هناك أمل للدبلوماسية؟
كل الحروب تبدو مستعصية قبل بدء التفاوض. ويتطلب الحل إيجاد مساحة ضيقة يمكن للطرفين الالتقاء فيها. قد تكون هناك فرصة خلال الأسابيع المقبلة، قبل اكتمال نشر القوات الأميركية. كما أن أزمة الطاقة العالمية تتفاقم مع اقتراب نفاد الإمدادات التي غادرت الخليج قبل اندلاع الحرب.
يرى الباحث تريتا بارسي أن لدى الطرفين مصلحة في إنهاء الحرب، لكن ذلك يتطلب من ترامب تقديم تنازلات، وهو ما يمثل تحولًا كبيرًا عن موقفه الأولي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة قدمت بالفعل تنازلًا عبر تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني لتخفيف أزمة الطاقة، وهو ما قد يشكل أساسًا لمفاوضات لاحقة.
ورغم أن هذا الأساس ضعيف، فإنه يظل نقطة انطلاق.
لكن إذا لم يتحقق تقدم قريب، فقد تنزلق الحرب إلى مسار خطير، وقد تصل إلى نقطة يصبح فيها الحل الدبلوماسي غير ممكن، مع عواقب يصعب تصورها.
المصدر: CNN
الكاتب: Stephen Collinson