قالها سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله ذات مرّة، وصدق قوله كما كلّ مرة حتى بعد استشهاده: "لن تبقى لكم دبابات". وبهذا يمكن التعبير عما حصل في 25 آذار/مارس 2026، من مواجهات ميدانية بطولية بين المقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي. فهذا الأخير الذي ظنّ بأن حزب الله ما بعد معركة أولي البأس، وما بعد استشهاد القادة وما بعد مجازر البيجر واللاسلكي، بأن الحزب قد انتهى أو في طور الانتهاء، ها هو يواجه نسخة جديدة من المقاومة أشدّ بأساً وأعظم قوةً وتصميماً، أوقعت فيه خسائر جسيمة في منطقة لا يتجاوز بعدها عن الحدود اللبنانية الفلسطينية الـ 6 كيلومترات. وهذا بحدّ ذاته إنجاز أسطوري يعطي حق اسم المعركة الحالية: العصف المأكول.
ففي 25/03/2026 وحده، نفذت المقاومة الإسلامية 95 عملية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي على حدود لبنان وشمال فلسطين المحتلة. وشملت العمليات هجمات صاروخية ومسيرة ومدفعية استهدفت تجمعات القوات ومراكز القيادة ومنظومات الدفاع والبنى التحتية في صفد ونهاريا وكريات شمونة وكرميئيل والجليل، إضافة إلى محاور حدودية مثل القوزح والطيبة والناقورة والخيام. كما تم استهداف ما مجموعه 21 دبابة ميركافا، إلى جانب عدد من الآليات والجرافات والمراكز اللوجستية، مع استمرار الاشتباكات المباشرة في عدة محاور.
واللافت بأن الإسرائيلي الذي ظنّ قبل العدوان، بأن منطقة جنوبي الليطاني ستكون سهلاً واسعاً لاحتلال قواته ودباباته لهذه المنطقة، بسبب الدمار الهائل الذي وقع في هذه المنطقة، وبسبب الطغيان والتفوق الجوي الإستعلامي والناري لديه، فإنه يتعرض لأقسى الضربات والكمائن العسكرية النوعية فيها، لا سيما ما حصل في محور الطيبة – القنطرة.
تفاصيل الكمين النوعي
وقد أصدرت غرفة عمليّات المقاومة الإسلاميّة بياناً تفصيلياً، حول المواجهة البطوليّة والكمين النوعي في محور الطيبة – القنطرة، جاء فيه:
"عمدت قوّات اللواء السابع التابع للفرقة 36 في جيش العدوّ الإسرائيليّ أمس الأوّل الثلاثاء، 24/3/2026، إلى تسيير جرّافة بالتحكّم عن بُعد بين منطقة المحيسبات في الطيبة وبلدة القنطرة، بهدف استطلاع وكشف تموضعات دفاعات المقاومة الإسلاميّة، فرصدها المجاهدون وأمهلوها بغية استدراج العدوّ إلى كمينٍ مُحكم.
وعند الساعة 18:50 أمس الأربعاء تقدّمت سريّة مدرّعات، بنسق طوليّ، من جهة المحيسبات باتّجاه بلدة القنطرة تمهيدًا للسيطرة عليها. انتظر المجاهدون الذين كانوا يرصدون حركة العدوّ حتى أصبحت كلّ آلياته ضمن حقل الرماية المُحكم، وعند صدور الأمر، وبنداء يا رسول الله، أطلق الرماة الماهرون صواريخهم الموجّهة باتّجاه الفصيل الأوسط من النسق، المؤلّف من 4 دبّابات ميركافا وجرّافة D9، فأصابوها بدقّة ما أدّى إلى تدميرها.
وفيما كان الفصيل الخلفيّ المؤلّف من 4 دبّابات ميركافا يُطلق غطاء دخانيًّا كثيفًا لإخفاء تموضعه، عاجله المجاهدون مجدّدًا بالصواريخ الموجّهة فدمّروا استعداده كاملاً أمام أعينهم التي رصدت الدبابات تحترق. تزامنًا مع الاشتباك كانت مجموعات الإسناد التابعة لسلاح المدفعيّة في المقاومة تستهدف المقرّات القياديّة للكتائب المعادية المتموضعة في مشروع الطيبة ورب ثلاثين والعويضة، وكذلك قوّات التعزيز التي استُقدمت لإخلاء الإصابات.
حاول فصيل المقدّمة مواصلة التقدّم باتّجاه مدخل بلدة القنطرة فتصدّى له مجاهدونا بالصواريخ المباشرة ودمّروا جرّافة D9 ودبّابة ميركافا، إضافة إلى تدمير دبّابة ثانية قرب الخزّان، ما دفع جنود العدوّ إلى ترك باقي الآليّات ومحاولة سحب الإصابات والفرار سيرًا على الأقدام باتّجاه منطقة المحيسبات.
تمكن المجاهدون من إفشال مناورة العدوّ وكبّدوا قوّاته خسارة حصيلتها 10 دبّابات وجرّافتا D9، كما كانوا أفشلوا محاولةً مماثلة قبل يومين من بلدة الطيبة باتّجاه بلدة دير سريان مدمّرين 8 دبّابات ميركافا".
مغامرة عالية الكلفة محفوفة بالانهيار التكتيكي السريع
لا يمكن النظر إلى الكمين النوعي في محور الطيبة – القنطرة بوصفه مجرد إنجاز ميداني موضعي، بل هو تعبير مكثّف عن تحوّل عميق في ميزان الاشتباك البري على الجبهة اللبنانية. فهذا الكمين، بما انطوى عليه من صبر عملياتي، وحسن استدراج، ودقة نارية، وتكامل بين وحدات الرصد والنيران والإسناد (خاصةً وحدة ضد الدروع)، يثبت أن أي تقدّم بري إسرائيلي في جنوبي لبنان لن يكون مجرد عملية عسكرية، بل مغامرة عالية الكلفة ومحفوفة بالانهيار التكتيكي السريع.
فقد أسقطت هذه العملية عملياً نظرية "الأرض المحروقة" التي راهن عليها الاحتلال، وأعادت تثبيت معادلة أن تدمير البيئة العمرانية لا يعني أبداً تفكيك البنية القتالية للمقاومة، بل قد يتحول إلى عنصر مُيسّر لحرب الكمائن والاستنزاف. وهنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية للكمين: فهو لا يدمّر دبابات وآليات فحسب، بل يضرب ثقة القيادة العسكرية الإسرائيلية بقدرتها على المناورة، ويقوّض عقيدة "الصدمة والترويع" التي تشكّل أساس التوغلات البرية. وعليه، فإن هذا النمط من الكمائن النوعية يُعيد ترسيم حدود القوة البرية الإسرائيلية، ويثبت معادلة الردع التي قوامها أن كل متر داخل جنوبي لبنان هو حقل نار مُعدّ سلفاً، وأن أي محاولة احتلال لن تكون سوى استنزاف متدحرج يفضي إلى الفشل. بهذا المعنى، يتحول الكمين من فعل تكتيكي إلى أداة استراتيجية لتعطيل، بل وربما إحباط، أي مشروع احتلالي بري، ويؤكد أن المبادرة في الميدان لن تكون قائمة على التفوق الناري الجوي (من أحزمة نارية) أو على تفجير بيوت المدنيين الفارغة، بل على من يمتلك الروحية الإستشهادية والإرادة والتنظيم وفن إدارة المعركة.
الكاتب: غرفة التحرير