في توقيت يتداخل فيه التصعيد في غرب آسيا والمتمثل في العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران مع الحرب المستمرة في أوكرانيا، تتحرك كييف على خط موازٍ للمعركة العسكرية، هدفه تأمين مصادر تمويل جديدة. تعكس تصريحات فولوديمير زيلينسكي هذا التوجه بوضوح، إذ أعلن استعداد بلاده لتقديم خبراتها في مواجهة الطائرات المسيّرة مقابل المال، مع إرسال فرق متخصصة إلى عدد من دول الشرق الأوسط لإجراء تقييمات ميدانية وعرض حلول دفاعية.
لا يمكن فصل هذا النشاط عن الأزمة المالية التي تواجهها أوكرانيا. تراجع وتيرة الدعم الغربي، وتأخر بعض الحزم الأوروبية، وتعقيدات التمويل عبر المؤسسات الدولية، كلها عوامل تدفع كييف إلى البحث عن قنوات تمويل بديلة. في هذا السياق، تبدو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران فرصة سياسية واقتصادية في آن، حيث أدى الاستخدام المكثف للمسيّرات والصواريخ إلى كشف هشاشة منظومات الدفاع الجوي التقليدية وارتفاع الطلب على حلول أقل كلفة وأكثر مرونة.
تقدّم أوكرانيا نفسها كحالة تطبيقية ناجحة في هذا المجال. خلال سنوات الحرب مع روسيا، طورت منظومة دفاعية تعتمد على المسيّرات الاعتراضية منخفضة الكلفة، إلى جانب تكتيكات تشغيلية قائمة على الاستجابة السريعة والتكامل بين الوسائط. هذه الخبرة تُعرض اليوم كمنتج قابل للتصدير، وقد بدأت كييف بالفعل بعقد صفقات مع عدد من دول الخليج، مستفيدة من الحاجة المتزايدة لتعزيز الدفاعات الجوية في مواجهة تهديدات غير متماثلة.
يتجاوز التحول هنا بيع أنظمة أو معدات، ليمتد إلى تسويق نموذج متكامل يشمل التدريب، التشغيل، ونقل المعرفة. تعمل فرق الخبراء الأوكرانيين التي أُرسلت إلى المنطقة على تقييم البيئات الدفاعية المحلية، وتقديم توصيات عملية لكيفية بناء شبكات اعتراض فعالة. هذا النموذج يتيح للدول المستهدفة الحصول على خبرة ميدانية حديثة، ويمنح أوكرانيا تدفقات مالية مباشرة يمكن توظيفها في دعم جبهتها العسكرية.
غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر متعددة. أولها يتعلق بطبيعة الخبرة نفسها. التجربة الأوكرانية بُنيت أساساً على مواجهة طائرات مسيّرة بخصائص محددة، بينما يشهد مسرح العمليات في غرب آسيا تطوراً سريعاً في هذا المجال، مع دخول نماذج أسرع وأكثر تعقيداً. هذا يطرح تساؤلات حول مدى قابلية نقل هذه الخبرة وفعاليتها في بيئات مختلفة.
يرتبط البعد الثاني بتوسيع دائرة التداخل بين الحرب والاقتصاد. عندما تتحول الخبرة القتالية إلى سلعة، تصبح الحرب نفسها مصدراً للإنتاج. هذا يعزز منطق الاستمرار، حيث يرتبط تدفق الموارد باستمرار الطلب على هذه الخبرة. إضافة إلى ذلك، فإن نقل التكنولوجيا والتكتيكات يفتح المجال أمام انتشارها خارج الأطر التي يمكن ضبطها، سواء عبر إعادة التصدير أو التسرب غير المقصود.
يتعلق البعد الثالث باستخدام البيانات القتالية. اذ أن عرض أوكرانيا إتاحة تسجيلات واسعة للعمليات العسكرية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يفتح باباً جديداً في طبيعة الحروب المعاصرة. هذه البيانات تحمل قيمة استراتيجية عالية، واستخدامها في تطوير أنظمة مستقلة أو شبه مستقلة قد يسرّع من سباق التسلح التقني، ويزيد من صعوبة ضبطه قانونياً وأخلاقياً.
في المقابل، يصعب تصور أن موسكو ستتعامل مع هذا التوجه بوصفه نشاطاً اقتصادياً عادياً. من المتوقع أن تنظر روسيا إلى تصدير الخبرة العسكرية الأوكرانية، خاصة إلى مناطق تشهد توترات مرتبطة بها بشكل غير مباشر، كامتداد للصراع. هذا قد يدفعها إلى خطوات مقابلة، سواء عبر تعزيز علاقاتها الدفاعية مع أطراف إقليمية أخرى، أو عبر تطوير تكتيكات مضادة تستهدف إبطال فعالية الحلول الأوكرانية.
كما أن نقل الخبرة إلى بيئات جديدة يمنح موسكو فرصة لاختبار أنظمتها الهجومية في ظروف مختلفة، ما قد يسرّع بدوره وتيرة التطوير المتبادل. في هذا الإطار، يتحول الصراع من مواجهة جغرافية محددة إلى شبكة تفاعلات عابرة للمناطق، حيث تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
يشير المشهد العام إلى تحوّل في طبيعة الحروب الحديثة. حيث تمتد المعركة إلى أسواق التكنولوجيا، وعقود التدريب، وتبادل البيانات. تحاول أوكرانيا استثمار هذا التحول لتعويض نقص التمويل، مستفيدة من لحظة إقليمية مضطربة. النتائج تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل تزايد الاعتماد على المسيّرات، وتسارع دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، وتوسع دائرة الأطراف المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه المعادلة.