في القراءة العسكرية الكلاسيكية، يُختزل الصاروخ غالبًا في كونه "سلاح الطرف الأضعف" لتعويض نقص الطيران والسيطرة الاستخبارية. غير أنّ هذا التوصيف، رغم صحته الجزئية، يبقى قاصرًا عن تفسير ما تشكّل في غرب آسيا - ومن قلبها إيران- خلال العقود الأربعة الماضية. فما راكمته الجمهورية الإسلامية لم يكن ترسانةً تُضاف إلى جداول التوازن فحسب، بل بنية ردعٍ مركّبة تتداخل فيها ثلاثة مستويات تعمل كمنظومة واحدة: حزام صاروخي ممتدّ يُحوِّل النار إلى معادلة سياسية، وبنية تحت أرضية (أنفاق/مدن صواريخ) تُحوِّل السلاح إلى بيئة بقاء وتشغيل، ولا مركزية تنظيمية تجعل الفعل ممكنًا تحت القصف، وتمنع شلل القدرة بقطع الرأس أو ضرب المركز. لذلك لا يتجه الهدف نحو "نصر خاطف" بقدر ما يتجه نحو إنتاج حالة لا يقين استراتيجي مستدامة تُصيب ركيزتين تاريخيتين في نمط الحرب الإسرائيلي: تحييد الجبهة الداخلية، وخوض حرب قصيرة قابلة للإغلاق السياسي السريع. وبهذا المعنى، يصبح الصاروخ أقل شبهًا بـ"الرصاصة الكبيرة"، وأكثر شبهًا بنظامٍ سياسي-عسكري لإدارة الزمن وتقييد قرار الحرب لدى الخصم، بدل مطاردته بوعود الحسم السريع.
ضمن هذا الإطار، يبرز مبدآن حاكمان يفسّران تماسك التجربة الإيرانية وتحوّلاتها. الأول هو "المعرفة التي لا تُقصف": أي أنّ تدمير منصّة، أو اغتيال قائد، أو ضرب مخزن، لا يُسقط القدرة ما دامت المعرفة موزّعة، والإنتاج متعدد العقد، وسلاسل التعويض فاعلة، والقرار التشغيلي ليس محتكرًا في حلقة ضيقة. أمّا الثاني فهو الاستنزاف بالنقاط لا بالضربة الواحدة؛ منطق الحرب الطويلة الذي يحوّل التفوق العسكري المعادي من أداة حسم إلى عبء إدارة دائم، عبر ضغط تراكمي على الموارد والجاهزية وثقة الجبهة الداخلية. عند هذه النقطة، لا يعود الردع وعدًا بالمنع الكامل، بل يصبح إدارةً لاحتمال الاختراق تحت كلفة متصاعدة، ويغدو السؤال المركزي: كيف تُدار الحرب كي لا تُغلق سريعًا لصالح من يملك السماء؟
في البدء: الحرب العراقية-الإيرانية.. ولادة النار
بعد عام واحد على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية، وسرعان ما انزلقت إلى ما عُرف لاحقًا بـ"حرب المدن". ففي 17 تشرين الأول/أكتوبر 1980 قصفت القوات العراقية مدينة دزفول، لتتوالى بعدها الضربات على مدن إيرانية أخرى، منهارةً معها الحدود الرمزية بين "الجبهة" و"الداخل". لم يعد المدنيّون جمهورًا خلفيًا للحرب، بل غدوا مادّتها اليوميّة، وصار العمق الاجتماعي نفسه ساحة نزاع. عند هذه النقطة سقط الوهم الكلاسيكي للأمن: فصمود خطوط القتال لا يحمي دولةً إذا كان عمقها مكشوفًا وقابلًا للقصف، وإذا كان الخصم قادرًا على نقل المعركة إلى الداخل بوتيرة تُرهق السياسة قبل أن تُرهق الجبهة.
المفارقة التي كشفتها تلك السنوات لم تكن أخلاقية فقط، بل بنيوية: الدولة التي لا تمتلك قدرة ردّ مستقلة تُستنزف سياسيًا قبل أن تُهزم عسكريًا. لذلك، حين قرّرت طهران في تموز/يوليو 1984 الردّ بالمثل، اصطدمت بمأزق تأسيسي؛ فالحصول على الصواريخ كان شبه مستحيل تحت الحظر الدولي. وعلى الرغم من أن التدريب الخارجي- الذي شارك فيه ضباط إيرانيون، من بينهم الشهيد حسن طهراني مقدّم ضمن بعثة إلى سوريا- وفّر "إمكانية الاستخدام"، وأن التوريد المحدود منح "إمكانية الإطلاق" المشروط، لكنّ كليهما عجز عن توفير "إمكانية القرار". هذا الفارق- بين أن تُطلق وبين أن تمتلك قرار الإطلاق- هو الشرخ الذي أبقى الخبرة الحاسمة خارج اليد الإيرانية، وجعل القدرة رهينة طواقم أجنبية أو ترتيبات سياسية يمكن كسرها أو ابتزازها. ومن هذا الشرخ تحديدًا وُلد البرنامج الصاروخي الإيراني بوصفه مشروع سيادة، لا مجرّد مشروع تسليح: تحرير شروط التشغيل الزمانية والمكانية من الوصاية الخارجية، وبناء قدرة لا تتوقف عند امتلاك القطعة بل عند امتلاك منطق إنتاجها وإدامتها.
على هذا الأساس، جاءت الصدمة الأشد: الهجمات الكيميائية العراقية وما رافقها من عجز دولي وتواطؤٍ سياسي ضمني، لتُكمل التأسيس العقائدي لفكرة ستصبح لاحقًا مركزية في التفكير الدفاعي الإيراني: الأمن لا يُستورد، والردع لا يُستعار. منذ تلك اللحظة، بدأت إيران تغادر منطق "ردّ الطوارئ" نحو منطق "البناء السيادي طويل النفس". لم يعد المطلوب مجرد أدوات للرد، بل منظومة قادرة على البقاء، وعلى تعويض الخسائر، وعلى العمل داخل بيئة معادية تتفوق جوًا وتملك إمكان التخريب والاغتيال.
في موازاة ذلك، كان يتشكّل في الداخل إطارٌ مؤسسي يتجاوز وظيفة الجيش التقليدي. ففي 22 نيسان/أبريل 1979 تأسس حرس الثورة الإسلامية بمرسوم من الإمام الخميني، بهدف حماية الثورة وإنجازاتها والتعامل مع التهديدات الداخلية والخارجية المعقدة إلى جانب الجيش الذي كان قد خضع لعمليات تنقية بعد سقوط الشاه. لم يكن التأسيس إجراءً بيروقراطيًا فحسب، بل تأسيسًا لفكرة "المؤسسة الحاضنة" التي تُنتج الاستمرارية تحت الضغط، وقد ارتبط ذلك بمقولة للخُميني تتردد في الأدبيات المؤيدة للحرس: إذا لم يكن هناك حرس للثورة فلن يكون هناك بلد. هكذا نشأ الحرس بوصفه جهازًا يجمع بين الأمن والعقيدة والميدان، ثم تبلور عبر دمج تشكيلات مختلفة، قبل أن يعاد تنظيمه مع الحرب ليضم قوى برية وبحرية وجوية، ثم يُضاف إليه لاحقًا جناحان سيصبحان حاسمين في هندسة القدرة: قوات البسيج بوصفه طاقة تعبئة وانتشار، وقوة فيلق القدس بوصفها ذراعًا خارجية للدعم وبناء العلاقات مع حركات المقاومة في المنطقة.
منذ تلك اللحظة، بدأ الانتقال المؤسِّس من امتلاك "قطعة سلاح" إلى امتلاك "دورة قدرة" كاملة: من التصنيع والاختبار، إلى التخزين والإطلاق، وصولًا إلى التعويض والتطوير المستمر. وعند هذه النقطة تحديدًا، انتقل حسن طهراني مقدّم من وحدات الحرس ليتولّى المهمة الأصعب: بناء قدرة صاروخية من العدم. لم يكن المطلوب إطلاق صاروخ عابر، بل تشييد منظومة قادرة على إنتاج الصاروخ، تكراره، إخفاءه، تطويره، ثم إعادة تعويضه بعد كلّ ضربة. بهذا المعنى، وُلدت البذرة الأولى لما يمكن تسميته "الحزام الصاروخي" -لا كتراكم عدديّ للقذائف، بل كمشروع استراتيجي متكامل لبناء قدرة قابلة للاستمرار تحت القصف؛ أي الانتقال من السلاح بوصفه حدثًا، إلى القدرة بوصفها بنية.
الهندسة العكسية: المعرفة التي لا تُقصف
لم تتبلور الهندسة العكسية في التجربة الإيرانية كتقنية مختبرية هامشية، بل كسياسة دولة وعقل سيادي. في قلب حرب المدن، كان الاعتماد على الخارج يعني أن الصاروخ قد يتحول إلى "أداة مؤقتة" لا إلى "قدرة"، وأن قرار الإطلاق قد يبقى خارج اليد الوطنية حتى لو توافرت المنصات. هنا برز دور طهراني مقدّم بوصفه عقل "التحويل": تحويل ما يُشترى إلى ما يُصنع، وما يُستعار إلى ما يُملك -لا على مستوى القطعة فحسب، بل على مستوى منطق الإنتاج والتشغيل والإدامة. فالهندسة العكسية، كما فرضتها الضرورة، لم تكن بحثًا عن نسخة طبق الأصل، بل عن فهم شروط السلاح: كيف يعمل، وكيف يُدار، وكيف يُصان، وكيف يُعوّض، وكيف يُطوّر تحت الحصار والتهديد. لذلك انتقلت من حيلة تقنية إلى عقيدة استقلال، ومن وسيلة تعويض مؤقتة إلى أداة تأسيس سيادي طويل النفس.
هذا التحوّل غيّر طبيعة البرنامج جذريًا. لم يعد السؤال المركزي: "كم نملك من صواريخ؟"، بل: "كيف نعيد إنتاج القدرة بعد الضربة؟". ومع تراكم المعرفة، بدأ البرنامج ينتقل من منطق الردّ الظرفي إلى منطق الردع البنيوي، أي الردع الذي لا يستند إلى ضربة واحدة أو مخزون واحد، بل إلى دورة متصلة من التعلم والإنتاج والاختبار والتعويض. وبقدر ما يتقدّم المسار التقني -في المدى والدقة والحمولة والجاهزية- يتقدّم معه مسارٌ أعمق: تحويل النار إلى سياسة، وتحويل السلاح إلى بنية زمن. لذلك فإن الإشارة إلى تطور عائلات صاروخية أو إدخال مسارات مختلفة (باليستي/كروز/مسيّرات) لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قفزات تقنية معزولة، بل بوصفها ملامح نضجٍ في إدارة الاشتباك ذاته: تنويع الوسائط لفرض كلفة اعتراض متراكمة، وتوزيع أنماط التهديد لتفكيك إيقاع الدفاعات، والانتقال تدريجيًا من سؤال "المدى" إلى سؤال "الزمن": كم يملك الخصم من وقت للاعتراض، وكم يكلّفه الحفاظ على درع فعّال أمام تهديدات متعددة المسارات؟
لكن القيمة الحاسمة لم تكن في الصاروخ ذاته، بل في نوع القدرة التي صار يحملها. فمع ترسّخ البنية المؤسسية، انتقلت القدرة من "قطعة قابلة للتدمير" إلى "معرفة قابلة للانتشار". هنا فقط اكتسبت مقولة "المعرفة لا تُقصف" معناها المادي الدقيق: ما يُقصف هو المنصّة أو المخزن، أمّا المعرفة -حين تُوزَّع على كوادر، وتصاميم، وإجراءات تشغيل، وسلاسل تعويض- فتصعب تصفيتها بضربة واحدة. ولهذا السبب لا تُفهم الاغتيالات والتخريب بوصفها قادرة بذاتها على إسقاط المسار؛ لأنها تضرب سطح القدرة ولا تمسك بجذرها: منطق الإنتاج وإعادة الإنتاج.
هذا المعنى سيظهر بأوضح صوره في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، حين سُمع دويّ انفجار قرب طهران وأُعلنت وفاة أربعة عشر عضوًا من الحرس الثوري، بينهم حسن طهراني مقدّم، في حادثة قاعدة "الشهيد مدرّس". في بعض الروايات، لم يُقرأ الحدث بوصفه صدفة محضة؛ بل ارتبط بشكوكٍ حول هجومٍ تخريبي ضمن سلسلة استهدافات. الأهم في دلالة الواقعة أن مُقدّم -قبل أيام من مقتله- كان قد أمر بنسخ نتائج اختبارات الصواريخ وحفظها في مواقع سرية إثر تضاعف الانفجارات في مواقع أمنية. هذا السلوك ليس تفصيلاً إنشائيًا، بل تجسيد عملي لقاعدة اللامركزية المعرفية: حماية المعرفة التشغيلية من أن تُدفن مع المكان، ومن أن تتحول الضربة إلى قطيعة في التعلم. وحين يُقال إن البرنامج لم يتوقف بعد الاغتيال، فليس ذلك إنكارًا لفداحة الخسارة، بل وصفٌ لطبيعة البناء: لقد تجاوز "الرأس الواحد" إلى شبكة خبرة موزّعة، قابلة للاستدعاء وإعادة التشغيل تحت التخريب.
عند هذه النقطة يتداخل المسار التقني بالمسار التنظيمي تداخلًا لا يمكن فصله. فالهندسة العكسية لا تعمل خارج بنية قادرة على حفظ الخبرة ومنع تآكلها. هنا تتحدّد وظيفة الحرس الثوري لا بوصفه مشغّلًا لمنصّات نارية، بل كبنية تنظيمية تُنتج الاستمرارية تحت القصف. الخطر المركزي لم يكن يومًا نقص المعلومات، بل تآكل الخبرة: بالاغتيال، أو انتقال الأجيال، أو تغيّر الأولويات، أو حبس الدروس في تقارير لا تتحوّل إلى قواعد عمل. عند هذا الحدّ تحديدًا ينهار الفرق بين امتلاك سلاح وامتلاك قدرة؛ لأن السلاح خارج المؤسسة يصبح مخزونًا قابلًا للتآكل، أما داخل مؤسسة تتعلم فيتحول إلى مسار تراكمي قابل للتجدّد.
من هذا المنظور، لم يعد التوثيق شأنًا أرشيفيًا، بل فعل سيادة. فالحرس الثوري عمل على تحويل الخبرة الميدانية الصامتة، أي القرار تحت الضغط، والتكتيك المتكيّف، والتعويض السريع، إلى ذاكرة تنظيمية حيّة: تدخل التدريب، وتعود إلى التخطيط، وتُختبر في التنفيذ، ثم تُعدَّل عبر التغذية الراجعة. بهذا التحويل، لم يعد التوثيق حفظًا لما وقع، بل إنتاجًا لما سيقع؛ ولم يعد سجلّ استرجاع، بل أداة استباق تُغلق دورة التعلّم داخل المؤسسة. وتكشف هذه البنية أولوية حاسمة: ليست الكتابة هي الأساس، بل البيئة التي تجعل المعرفة قابلة للاستخدام. لذلك تقدّمت البنية التنظيمية، وتكاملت معها الوظائف الأمنية والاستخبارية، ثم ترسخت معايير العمل وثقافة مشاركة المعرفة بدل احتكارها، كي لا تتحول "المعرفة" إلى ملكية ضيقة تعرّض القدرة للانقطاع حين تُستهدف الحلقة.
هنا تتجلى الصلة العضوية بين تطوّر البرنامج الصاروخي وبنية الحرس الثوري كما تأسست وتوسعت. فالتقدّم لم يتحقق بتحسين المحرّك أو الوقود أو التوجيه فقط، بل بقدرة المؤسسة على إعادة إنتاج نفسها بعد كل ضربة: ما يُكتشف في الاختبار يتحوّل إلى عقيدة، وما يُستنزف في الميدان يُعوَّض عبر مسارات بديلة، وما يفشل يُعاد هندسته ضمن معايير تمنع تكراره. بهذا المعنى، لا يكون الحرس إطارًا مكمّلًا للصواريخ، بل شرط إمكانها التاريخي: المؤسسة التي لا تحوّل الخبرة إلى قواعد تشغيل تملك ذاكرة خاملة، والمؤسسة التي تُمأسس المعرفة تملك قدرة تتجدد تحت الضغط.
أمّا الاستراتيجيتان الأخريان -مدن الصواريخ واللامركزية- فتعملان هنا بوصفهما ترجمة مؤسسية لسؤال واحد: كيف تُحمى القدرة من السماء حين لا تُمتلك السماء؟ لذلك تصبح البنية تحت الأرضية خيارًا سياسيًا بقدر ما هي خيار هندسي: تحويل الصاروخ من عنصر يُستهدف إلى نظام بقاء يحمي شروط القرار، ويُبقي القدرة التشغيلية مفتوحة حتى تحت القصف. وتصبح اللامركزية خيارًا تنظيميًا يمنع تحويل الضربة الجوية أو الاغتيال إلى أداة إغلاق سياسي للحرب. وفي المحصلة، تُعاد صياغة الردع على نحو يقيّد فعل العدو بدل أن يطارده: إذا كان التفوق الجوي يسعى عادةً إلى حسم سريع، فإن شبكة إنتاجٍ وتشغيلٍ وإخفاءٍ وتعويضٍ تُطيل الزمن وتبدّل الحسابات، وتجعل الضربة عملاً عالي المخاطر قليل العائد السياسي.
أمّا في الخارج، فلا يقتصر دور الحرس الثوري -وخاصة ذراعه الخارجية- على نقل أدوات نارية إلى حلفائه من حركات المقاومة، بل يقوم، في جوهره، بنقل منطق بناء القدرة: إنتاج تحت الحصار، إدارة تحت الرصد، صيانة تحت القصف، وإعادة هندسة بعد الفقد. هنا يكمن الفارق الحاسم بين توريد السلاح وتوريد المنهج؛ الأول يمكن أن يخلق تبعية مؤقتة قابلة للقطع، والثاني يصنع استدامة قابلة للانتشار. وفي هذا السياق تُقرأ الروايات عن انهماك طهراني مقدّم في سنواته الأخيرة بدمج دفاعات حزب الله ضمن البرنامج الإيراني وتدريب طواقم من المهندسين اللبنانيين، بما يخرج العلاقة من صورة "إمداد" إلى صورة "تكوين قدرة" تسير على قاعدة المعرفة التي لا تُقصف. وفي المسار نفسه، يكتسب ذكر قاسم سليماني -بوصفه أحد أبرز قادة العمليات الخارجية في الحرس- دلالته بوصفه ممثلاً لمقاربة ترى الحرب "تقنية وعلمية" بقدر ما هي ميدان، وترى إدارة الزمن والتصعيد المرحلي جزءًا من تثبيت الردع، لا مجرد خطاب تعبوي. وبالقدر ذاته، تظهر علاقات إيران مع حماس والجهاد الإسلامي ضمن صيغة شبكة لا ضمن صيغة مركز واحد: تداخل تدريب وتهريب وتطوير، وامتداد خبرات عبر قنوات متعددة، مع بقاء الاستقلالية السياسية والتنظيمية لكل طرف، بما ينسجم مع منطق اللامركزية ذاته الذي يحمي البنية من أن تُكسر بضربة واحدة أو بقطع قناة واحدة.
من الصاروخ إلى المنطق
إذن؛ شكّل البرنامج الصاروخي الإيراني انتقالاً تاريخياً من انكشافٍ دفاعيّ تحت القصف إلى تشييد بنية ردعيّة قادرة على إعادة إنتاج نفسها. وُلدت الضرورة في حرب المدن وفي صدمة الكيميائي تحت الحظر، ثم تبلورت السيادة عبر هندسةٍ عكسية نقلت المنظومة من تقليد القطعة إلى امتلاك منطق الإنتاج، وعبر بنية تحت أرضية حوّلت السلاح إلى بيئة بقاء، وعبر لا مركزية تشغيلية منعت تحويل الاغتيال والتخريب إلى شلل. وفي هذا المسار، تولّى الحرس الثوري -بوصفه المؤسسة الحاضنة التي أُنشئت مبكرًا لحراسة الثورة ومكاسبها- تحويل الخبرة من ذاكرة أشخاص إلى ذاكرة مؤسسة، بحيث لا تسقط القدرة بسقوط الرأس، ولا تُغلق الحرب بضربة جوية، ولا يتحول الردع إلى وعدٍ بل إلى بنية قرار.
من هنا، لا يُفهم البرنامج الصاروخي الإيراني بوصفه تجميعًا لمؤشرات تقنية -مدى، دقة، سرعة، حمولة- بل بوصفه بنية تنظيمية -معرفية صُمِّمت لحماية القرار قبل السلاح- ولجعل الردع عملية مركّبة: تقنية وتنظيمية وسياسية في آن. بهذه الصيغة، يصبح اغتيال العلماء والقادة، أو قصف المخازن والمنصّات، ضربًا للسطح لا للجذر: مؤلمًا، لكنه غير معطّل للمسار. وحين تتآكل يقينيات الحسم السريع، يتبدّل ميزان السياسة حتى لو بقي ميزان النار متقاربًا. هنا تكمن القيمة الفعلية للبرنامج: لا في "وعد الاختراق" بوصفه لحظة، بل في فرض زمن استنزاف طويل على خصمٍ اعتاد اختصار الحروب، وفي تثبيت خلاصةٍ تتجاوز التقنية إلى المنطق: ما يُقصف هو المنصّة؛ أمّا المعرفة -حين تُؤسَّس شبكيًا داخل مؤسسة- فتبقى أقل قابليةً للقصف، وأكثر قابليةً لإعادة إنتاج القوة.