تدخل منطقة البحر الأحمر مرحلة مختلفة من التصعيد، لم تعد فيها المواجهة تُدار بالكامل عبر حلفاء، بل تتجه تدريجياً نحو احتكاك مباشر بين أطراف إقليمية ودولية. ومع توسّع دور اليمن عسكرياً في هذا المسرح، وتصاعد المؤشرات على تعزيز الحضور العسكري الأميركي في قواعد القرن الأفريقي، يبرز أرخبيل دهلك كواحدة من أكثر النقاط حساسية في معادلة الصراع. لم يعد السؤال متعلقاً بطبيعة التحركات الجارية بقدر ما أصبح مرتبطاً بمدى صلابة البنية التي قامت عليها ترتيبات الأمن الإقليمي خلال العقود الماضية، وما إذا كانت قادرة على الصمود أمام نمط جديد من التهديدات يتجاوز الحدود التقليدية بين الجبهات.
لا يمكن النظر إلى دهلك باعتبارها مجرد جزر متناثرة قبالة الساحل الإريتري. فموقعها يمنحها قدرة استثنائية على مراقبة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، أي باب المندب، الذي يشكّل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة. وعلى مدى سنوات، تطورت وظيفة هذه الجزر لتصبح جزءاً من شبكة أوسع للمراقبة والاتصال، تربط بين مسارح عمليات متعددة تمتد من شرق أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية. هذا النمط من الانتشار يعكس ما تصفه أدبيات الأمن البحري الغربية بـ"العقد اللوجستية المتقدمة"، حيث لا تقتصر القيمة على الموقع الجغرافي، بل تمتد إلى دوره ضمن منظومة متكاملة لإدارة الحركة والرصد والردع.
في سياق التصعيد الإقليمي المتسع، الذي بات يشمل أكثر من ساحة من إيران إلى لبنان مروراً باليمن، تتغير طبيعة المخاطر بشكل جذري. لم تعد التهديدات محصورة في نطاق جغرافي قريب، بل باتت تمتد إلى عمق المنظومات التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب بعيدة عن الاستهداف. هذا التحول يتقاطع مع ما تشير إليه تقارير مراكز التفكير الاستراتيجي، مثل مؤسسة راند والمجلس الأطلسي، حول انتقال الصراعات الحديثة من نماذج المواجهة المباشرة إلى أنماط الضغط الشبكي، حيث تصبح البنية التحتية العسكرية واللوجستية أهدافاً بحد ذاتها. في هذا السياق، تدخل القواعد المرتبطة ببيئة البحر الأحمر، بما فيها تلك الموجودة في إريتريا وجيبوتي، ضمن دائرة الاهتمام العملياتي، ليس فقط كمنصات دعم، بل كنقاط يمكن الضغط عليها لإعادة رسم حدود الاشتباك.
تعزيز الوجود العسكري الأميركي في القرن الأفريقي، سواء عبر قوات مشاة البحرية الأمريكية أو من خلال دعم القواعد القائمة، يعكس محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين حماية خطوط الملاحة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. غير أن هذا التوازن يبدو هشاً في ضوء ما تسميه الأدبيات العسكرية الغربية "معضلة التمدد"، حيث يؤدي الانتشار الواسع إلى زيادة الالتزامات الدفاعية، وبالتالي رفع قابلية التعرض للاستنزاف. في بيئة عملياتية تتسم بتعدد الفاعلين وتداخل الأجندات، تصبح نقاط الارتكاز نفسها عرضة لأن تتحول من عناصر قوة إلى نقاط انكشاف.
التحول الأهم لا يتمثل في استهداف السفن أو تعطيل الملاحة بشكل مؤقت، بل في إمكانية نقل الضغط إلى ما يمكن تسميته "العمق الآمن". فإذا أصبحت مواقع مثل أرخبيل دهلك ضمن دائرة التهديد الفعلي، فإن ذلك يعني عملياً توسيع نطاق الصراع جغرافياً، ورفع كلفة الانتشار العسكري، وإجبار القوى الكبرى على إعادة تقييم تموضعها في المنطقة. هذا السيناريو لا يقود بالضرورة إلى انهيار سريع، لكنه يفتح الباب أمام نمط أكثر تعقيداً من الاستنزاف، حيث تتحول كل نقطة ارتكاز إلى عبء محتمل، وتتآكل تدريجياً الفجوة بين القدرة على الانتشار والقدرة على الحماية.
ما يجري في البحر الأحمر اليوم لا يعكس لحظة حسم بقدر ما يشير إلى اختبار تدريجي لحدود القوة وقدرتها على التكيّف مع بيئة متغيرة. ومع تصاعد التوتر، تزداد أهمية النقاط الحساسة مثل دهلك، ليس باعتبارها أهدافاً بحد ذاتها، بل بوصفها مؤشرات على اتجاه الصراع. فإذا بقيت خارج دائرة الاستهداف، فهذا يعني أن قواعد الاشتباك لا تزال ضمن حدود يمكن ضبطها. أما إذا دخلت فعلياً ضمن بنك الأهداف، فسيكون ذلك مؤشراً على انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث لا تعود الخطوط الخلفية آمنة، ولا تبقى مفاهيم الردع التقليدية كافية لضبط الإيقاع. عند هذه النقطة، لا تُحسم المعارك بضربة واحدة، بل عبر تآكل بطيء في موازين القوة، يبدأ من الأطراف، لكنه يعيد في النهاية رسم مركزها.
الكاتب: خليل القاضي