الإثنين 30 آذار , 2026 04:51

حرب الدروع تتحطم: المقاومة تقود معركة استنزاف تُربك الحسابات الإسرائيلية

مقاومة من الجنوب

تشير المعطيات الميدانية ليوم الأحد 29 آذار/مارس 2026 إلى تحوّل نوعي في مسار المواجهة على الجبهة اللبنانية، حيث نجحت المقاومة الإسلامية في فرض معادلة ميدانية جديدة قائمة على الاستنزاف المنهجي، مقابل عجز واضح لدى جيش الاحتلال عن تحقيق إنجاز بري حاسم أو تثبيت أي اختراق فعلي.

في المشهد العام، برز تنفيذ سبعين عملية عسكرية خلال يوم واحد كدليل على زخم عملياتي مرتفع وقدرة تنظيمية متقدمة. هذا الأداء لم يكن مجرد تكثيف للنيران، بل يعكس اعتماداً واعياً على تكتيك "الاستنزاف المستدام"، الذي يستهدف تفكيك مناورة "الالتفاف والعزل" التي يحاول العدو فرضها على امتداد جنوب الليطاني. وفي مقابل ذلك، بدا العدو وكأنه يلهث خلف صورة إنجاز إعلامي عبر التسلل من مناطق رخوة وتجنب المواجهة المباشرة، خشية تكبد المزيد من الخسائر البشرية والمادية.

على المستوى العملياتي، أظهرت المقاومة مرونة عالية في القيادة والسيطرة، حيث جرى تنسيق الاشتباكات من المسافة صفر في القرى الأمامية مع ضربات دقيقة استهدفت عمق الكيان، ما يؤكد تماسك البنية القيادية وعدم تأثرها بالغارات. كما أن استمرار تدفق الإمدادات وبقاء خطوط الدعم مفتوحة يعكس قدرة لوجستية متقدمة، وهو عامل حاسم في الحروب الطويلة.

أما في الميدان، فقد تمثّل التحول الأبرز في الاستخدام المكثف للمحلّقات الانقضاضية (FPV)، التي تحولت إلى أداة حسم تكتيكي في مواجهة الدروع. هذا التطور انعكس مباشرة في ارتفاع خسائر العدو، حيث تم استهداف وتدمير أو إعطاب ثماني عشرة دبابة ميركافا خلال يوم واحد، ليرتفع إجمالي الخسائر إلى أكثر من مئة دبابة منذ بداية المواجهة. وقد توزعت هذه العمليات على عدة محاور، أبرزها البياضة والقنطرة وبيت ليف والقوزح، التي تحولت إلى "عقد صد تدميرية" تعيق تقدم القوات المدرعة.

في المقابل، حاول جيش الاحتلال تنفيذ مناورة التفاف على ثلاثة محاور رئيسية: الغربي، الأوسط، والشرقي. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بكمائن محكمة واشتباكات مباشرة، أبرزها في عيناتا وشمع ومارون الراس، حيث تكبدت قوات النخبة خسائر فادحة. كما فشلت محاولات العدو في عزل مناطق أساسية مثل بنت جبيل والخيام، ما يدل على صلابة العقد الدفاعية للمقاومة واستحالة تفكيكها سريعاً.

وفي إطار تكتيكات القتال، اعتمدت المقاومة مزيجاً من الدفاع الثابت والعمليات التعرضية، حيث تم تنفيذ كمائن مركبة وعمليات إغارة من مسافة قريبة، إضافة إلى استخدام الصواريخ الموجهة وقذائف التاندوم بالتكامل مع الطائرات الانقضاضية. هذا الدمج بين الوسائل التقليدية والتقنيات الحديثة يعكس تطوراً نوعياً في العقيدة القتالية، ويمنح المقاومة قدرة أكبر على التعامل مع التفوق المدرع للعدو.

على صعيد مناورة النار، وسّعت المقاومة نطاق عملياتها لتشمل العمق الاستراتيجي، مستهدفة قواعد عسكرية حساسة مثل "عين شيمر" و"رغفيم"، إضافة إلى قواعد دفاع جوي ومراكز تحكم بالطائرات المسيّرة في محيط صفد والجولان. كما استمرت في قصف المستوطنات الشمالية ضمن ما يمكن وصفه بمعادلة ردع تهدف إلى تثبيت توازن الردع ومنع استفراد العدو بالجبهة الداخلية اللبنانية.

في المقابل، لجأ الاحتلال     إلى سياسة "الأرض المحروقة"، من خلال تكثيف القصف الجوي والمدفعي على مناطق النبطية وصور وبنت جبيل والخيام، مستهدفاً البنية التحتية وخطوط الإمداد. إلا أن هذا السلوك يعكس عجزاً استخباراتياً واضحاً عن تحديد أهداف عسكرية دقيقة، ما يدفعه إلى تعويض فشله البري عبر التدمير الشامل والضغط على البيئة الحاضنة.

وفي بعد آخر، برز تفعيل منظومات الدفاع الجوي للمقاومة، حيث تم التصدي للطيران الحربي والمروحي وإجباره على الانسحاب في عدة مناطق، إضافة إلى إسقاط طائرة مسيّرة معادية. هذه التطورات تسهم في تقييد حرية عمل سلاح الجو، خاصة في مهام الإخلاء الطبي، ما يزيد من تعقيد الوضع الميداني للعدو.

أما على المستوى النفسي والإعلامي، فقد شكّل إصدار سبعين بياناً عسكرياً في يوم واحد ضربة قوية للرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن تدمير قدرات المقاومة. في المقابل، يلجأ الإعلام الإسرائيلي إلى تضخيم تحركات محدودة وقياس التقدم بالأمتار، مع فرض رقابة مشددة على الخسائر الحقيقية، خصوصاً في الكمائن البرية.

خلاصة المشهد تشير إلى أن المقاومة تدير معركة أقرب إلى حرب العصابات المنظمة، حيث يتم استدراج العدو إلى نقاط قتل معدة مسبقاً، وتحويل تقدمه إلى عبء استنزافي. في المقابل، يبدو أن الاحتلال، رغم تفوقه الناري، عاجز عن تحقيق أهدافه البرية، ويواجه مأزقاً استراتيجياً يتفاقم مع مرور الوقت. وعليه، فإن استمرار هذه المعادلة سيجعل من أي محاولة لعزل جنوب الليطاني مشروعاً مكلفاً زمنياً وبشرياً، وقد يتحول إلى فخ استنزافي طويل الأمد لا يستطيع الاحتلال تحمّل تبعاته.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور