في ظلّ التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإقليمية، تبرز مؤشرات متزايدة على أنّ جيش الاحتلال لم يعد يواجه مجرد ضغوط عملياتية ظرفية، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا يمكن توصيفها كأزمة بنيوية مركّبة تمسّ جوهر بنيته العسكرية ووظيفته الاستراتيجية. وتستند هذه القراءة إلى جملة من المعطيات الصادرة عن التحليلات والتصريحات العبرية، وفي مقدمتها التحذيرات غير المسبوقة التي أطلقها رئيس الأركان إيال زامير، والتي تحدّث فيها صراحة عن خطر "الانهيار من الداخل" ورفع ما يشبه "عشرة أعلام حمراء"، في إشارة واضحة إلى إدراك عميق داخل المؤسسة العسكرية بأنّها تقترب من حدود قدرتها على الاستمرار ضمن الشروط الراهنة.
هذه الأزمة لا يمكن فهمها من زاوية واحدة، بل هي نتاج تداخل عدة مستويات من الخلل البنيوي والوظيفي، تبدأ من أزمة القوى البشرية ولا تنتهي عند اختلال منظومة اتخاذ القرار الاستراتيجي. ففي المستوى الأول، تظهر أزمة القوى البشرية بوصفها الركيزة الأكثر خطورة، إذ تشير التقديرات إلى نقص كبير يتراوح بين خمسة عشر إلى عشرين ألف جندي، بينهم نسبة وازنة من المقاتلين، وهو ما يتزامن مع توسّع مستمر في المهام العسكرية على أكثر من جبهة. غير أنّ خطورة هذه الأزمة لا تكمن فقط في بعدها العددي، بل في طبيعتها البنيوية المرتبطة باختلال نموذج التجنيد نفسه، حيث تستمر الإعفاءات لفئات اجتماعية بعينها، وفي مقدمتها الحريديم، مقابل تحمّل فئات أخرى العبء الأكبر من الخدمة العسكرية، ما يؤدي إلى تآكل قاعدة التعبئة وإضعاف قدرة الجيش على الحفاظ على توازن مستقر بين احتياجاته العملياتية وموارده البشرية المتاحة.
ويتعمّق هذا الخلل مع غياب تشريعات فعّالة تنظّم الخدمة الإلزامية والاحتياط، الأمر الذي يدفع المؤسسة العسكرية إلى الاعتماد المفرط على شريحة محدودة من المجتمع، ما يهدّد استدامة الجهد الحربي على المدى المتوسط، خصوصًا في ظلّ استمرار الاستنزاف البشري بوتيرة مرتفعة. وهنا تبرز أزمة ثانية لا تقلّ خطورة، تتمثّل في استنزاف منظومة الاحتياط، التي تُعدّ العمود الفقري للقدرة القتالية. فالتقارير الميدانية تشير إلى حالة إنهاك غير مسبوقة نتيجة تكرار الاستدعاءات وطول فترات الخدمة، إلى جانب تقليص الفواصل الزمنية بين الجولات القتالية، ما أدى إلى ضغوط نفسية واجتماعية متزايدة على الجنود الاحتياطيين.
هذا الواقع يعكس بداية تآكل نموذج "جيش الشعب"، الذي شكّل تاريخيًا أحد أهم عناصر القوة في المنظومة العسكرية الإسرائيلية، إذ يقوم هذا النموذج على توزيع الأعباء العسكرية بشكل متوازن بين مختلف فئات المجتمع. غير أنّ تصاعد الشعور بعدم العدالة في توزيع الخدمة، وتحمّل فئات محددة العبء الأكبر، يهدد بتقويض هذا النموذج وتحويل منظومة الاحتياط من مصدر قوة ومرونة إلى نقطة ضعف بنيوية قد تعيق قدرة الجيش على خوض حروب طويلة الأمد.
إلى جانب ذلك، يواجه جيش الاحتلال تحديًا ثالثًا يتمثّل في فرط التمدّد العملياتي وتعدّد الجبهات. فالمؤسسة العسكرية تجد نفسها منخرطة في مسارح عمليات متعددة في آنٍ واحد، تشمل قطاع غزة، والجبهة الشمالية مع حزب الله، والساحة السورية، والضفة الغربية، إضافة إلى الامتداد المرتبط بالمواجهة مع إيران. هذا التوزيع المعقّد للقوات يفرض ضغطًا هائلًا على الموارد البشرية واللوجستية، خصوصًا في ظل النقص القائم، ويؤدي إلى نقل مستمر للوحدات بين الجبهات، ما يضعف من تماسكها ويؤثر على جاهزيتها القتالية.
كما أنّ زيادة المهام غير التقليدية، مثل تأمين المستوطنات ومواجهة التوترات الداخلية، تضيف عبئًا إضافيًا على القوات، وتوسّع الفجوة بين الالتزامات العملياتية والقدرات الفعلية. وهذا ما يشير إلى اختلال متزايد في التوازن الاستراتيجي، حيث تتسع دائرة المهام بوتيرة أسرع من قدرة الجيش على التكيّف معها، ما يهدّد بفقدان السيطرة على إيقاع العمليات.
وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات واضحة على تراجع الجاهزية العسكرية والفعالية القتالية، سواء على المستوى الجوي أو البري. فقد أُشير إلى انخفاض وتيرة الطلعات الجوية نتيجة نقص الذخائر، وتراجع فعالية بنك الأهداف، فضلًا عن استمرار الخسائر الميدانية رغم استخدام منظومات دفاعية متطورة. وتعكس هذه المعطيات احتمال انتقال تدريجي من نمط العمليات الهجومية القائمة على المبادرة إلى نمط استنزافي دفاعي، يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من السيطرة بدل تحقيق إنجازات حاسمة.
هذا التحوّل لا يقتصر على الجانب العملياتي، بل يمتدّ إلى المستوى الاستراتيجي، حيث يظهر خلل متزايد في منظومة اتخاذ القرار. ويتجلّى هذا الخلل في تداخل ثلاثة مستويات رئيسية: العلاقة المتوترة بين المستوى السياسي والعسكري، والتناقض بين الأهداف السياسية والقدرات العسكرية، وتآكل البنية المؤسسية الناظمة للعمل الأمني. ففيما تميل القيادة السياسية إلى تبنّي مقاربات توسعية تسعى لتحقيق أهداف استراتيجية واسعة، تحذّر المؤسسة العسكرية من حدود القدرة والاستدامة، ما يؤدي إلى تسييس متزايد للقرار الأمني وإضعاف وزن التقديرات المهنية.
هذا التباين يخلق فجوة تنفيذية واضحة، حيث يعجز الجيش عن ترجمة الأهداف المعلنة إلى إنجازات ميدانية متناسبة، ما يؤدي إلى إطالة أمد العمليات ضمن نمط استنزافي يفتقر إلى أفق حسم واضح. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع تآكل البنية المؤسسية، من خلال إضعاف الأطر الاستراتيجية وتأخّر التعيينات في مواقع حساسة، وتراجع دور المؤسسات المهنية في صنع القرار، ما ينعكس سلبًا على كفاءة إدارة الحرب.
ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود المؤسسة العسكرية، بل تمتدّ إلى المستويين الاستراتيجي والمجتمعي. فمن جهة، يتزايد اعتماد الكيان على الدعم الخارجي، ولا سيما الأميركي، في تحديد مسار الحرب، ما يعكس محدودية في استقلالية القرار الاستراتيجي. ومن جهة أخرى، تتصاعد الانقسامات الداخلية حول قضايا التجنيد وتوزيع الأعباء، بالتوازي مع تراجع الثقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية، وازدياد الضغط على الفئات المنخرطة فعليًا في القتال.
كما أنّ استمرار هذه المؤشرات قد يؤثّر على مستوى الردع، إذ يمكن للخصوم قراءة هذه الأزمة بوصفها علامة على ضعف بنيوي، ما قد يشجّعهم على توسيع نطاق المواجهة أو رفع سقف التحدي. وفي الداخل، أثارت تصريحات رئيس الأركان تفاعلات سياسية واسعة، حيث اعتبرتها المعارضة مؤشرًا على اقتراب أزمة أمنية كبرى، فيما سعت أطراف في الائتلاف إلى التقليل من أهميتها، ما يعكس غياب توافق سياسي حول إدارة الحرب ومتطلباتها.
في المحصلة، يمكن القول إنّ جيش الاحتلال يواجه أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد البشرية والعملياتية والمؤسسية، حيث يتقاطع استنزاف القوى البشرية مع توسّع التمدّد العملياتي، وتآكل منظومة الاحتياط، وتفاقم الفجوة بين المستويين السياسي والعسكري. ويؤدي هذا التداخل إلى تراجع تدريجي في القدرة القتالية، في ظل بيئة تشغيلية شديدة التعقيد. وإذا استمرّت هذه الاتجاهات دون إدخال إصلاحات جوهرية على مستوى السياسات والتشريعات وإدارة العمليات، فإنّ التحذيرات من "الانهيار الداخلي" قد تتحوّل من مجرد تقديرات إلى واقع ملموس، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على مستقبل القدرة العسكرية وموقعها في البيئة الإقليمية.
الكاتب: غرفة التحرير