في حروب المقاومة، لا تُعدّ الجغرافيا مجرد مسرح تجري عليه العمليات العسكرية، بل تتحوّل إلى عنصر فاعل يوازي في أهميته السلاح والعنصر البشري، إن لم يتقدّم عليهما أحيانًا. فهي تمثّل "المقاتل الخفي" الذي يمكّن الطرف الأضعف من موازنة تفوّق خصمه، خصوصًا حين يكون هذا الخصم جيشًا نظاميًا يمتلك قدرات نارية وتكنولوجية متقدمة. من هنا، يصبح فهم وظيفة الجغرافيا في هذا النوع من الحروب مفتاحًا أساسيًا لفهم ديناميات الصراع غير المتكافئ.
تبدأ أهمية الجغرافيا من طبيعة البيئات التي تزدهر فيها حروب العصابات، حيث تبرز التضاريس الوعرة كحاضنة مثالية لعمليات المقاومة. فالجبال، بما توفره من ارتفاعات وممرات ضيقة ومخابئ طبيعية، تمنح المقاتلين قدرة على المناورة والاختفاء، كما تعيق حركة الآليات الثقيلة وتحدّ من فعالية الاستطلاع الجوي. كذلك، تؤدي الغابات الكثيفة دورًا مشابهًا، إذ تشكّل غطاءً طبيعيًا يحجب الرؤية ويتيح تنفيذ هجمات مباغتة. أما المدن، فتتحوّل إلى ما يشبه "الغابة الخرسانية"، حيث تُستخدم الأبنية والأزقة والأنفاق كشبكة دفاعية وهجومية معقّدة، تجعل من السيطرة العسكرية عليها مهمة مكلفة وطويلة.
غير أن الجغرافيا لا تقتصر على بعدها السطحي، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ"الجغرافيا البديلة"، أي الفضاءات تحت الأرض. فالأنفاق، كما في تجارب متعددة، تمثّل امتدادًا خفيًا للأرض، يسمح للمقاتلين بتجاوز التفوق الجوي للعدو، والتنقل بحرية نسبية، وتنفيذ عمليات مفاجئة من مسافات قريبة. هذه البنية التحتية غير المرئية تعيد تشكيل ميدان المعركة، وتفرض على العدو نمطًا قتاليًا لا يفضّله، قائمًا على الاشتباك المباشر بدل السيطرة من الجو.
في المقابل، يرتبط الاستخدام الفعّال للجغرافيا بعقيدة أساسية في حروب المقاومة، تقوم على أولوية الحفاظ على القوة البشرية بدل التمسك بالأرض. فالأرض، في هذا السياق، ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة تُستخدم عندما تخدم العمليات، وتُترك عندما تتحوّل إلى عبء. هذا المبدأ يعبّر عنه بوضوح القول إن "المقاتل أهم من الأرض"، وهو ما يفسّر لجوء حركات المقاومة إلى تكتيكات الكرّ والفرّ، وتجنّب التمركز في مواقع ثابتة يسهل استهدافها.
ومع ذلك، لا يعني هذا التخلي المطلق عن الجغرافيا، إذ توجد حالات تصبح فيها بعض المواقع ذات قيمة استراتيجية لا يمكن التفريط بها. وتشمل هذه الحالات القواعد الخلفية التي تؤمّن التدريب والتخزين، وممرات الإمداد الحيوية التي تضمن استمرار القتال، إضافة إلى المناطق التي تشكّل حاضنة شعبية للمقاومة. في هذه السياقات، يتحوّل التمسك بالأرض إلى ضرورة وجودية، لأن خسارتها قد تعني انهيار البنية القتالية أو فقدان الدعم الشعبي.
تاريخيًا، أثبتت العديد من التجارب أن "ترك الأرض لكسب الحرب" ليس ضعفًا، بل خيارًا استراتيجيًا مدروسًا. فقد اعتمدت حركات مقاومة مختلفة هذا النهج عبر الانسحاب من المدن أو المواقع المكشوفة، وإعادة التموضع في بيئات أكثر ملاءمة، ما سمح لها باستنزاف خصومها على المدى الطويل. في هذا الإطار، لا يكون الهدف السيطرة على الجغرافيا بمعناها التقليدي، بل التحكم في زمان ومكان الاشتباك، أي امتلاك المبادرة.
في المقابل، تكشف التجارب أيضًا أن التمسك غير المحسوب بالأرض قد يتحوّل إلى خطأ استراتيجي قاتل. فعندما تتحول حركات المقاومة إلى نمط الدفاع الثابت، تفقد ميزتها الأساسية القائمة على الحركة والمرونة، وتصبح أهدافًا سهلة للرصد والاستهداف. كما أن التمركز في مناطق محددة يسهّل على العدو فرض الحصار وقطع الإمدادات، ويؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمادية بسرعة.
إضافة إلى ذلك، يؤدي الدفاع عن المدن إلى تدمير البنية التحتية، ما يضع ضغطًا كبيرًا على البيئة الحاضنة، ويؤثر سلبًا في العلاقة بين المقاومة والمجتمع. كما أن هذا النمط القتالي يكشف القدرات السرية للمقاومة، سواء من حيث الأسلحة أو شبكات الاتصال، ما يمنح العدو فرصة لتفكيك بنيتها تدريجيًا.
في المحصلة، يمكن القول إن الجغرافيا في حروب المقاومة ليست عنصرًا ثابتًا، بل أداة ديناميكية تُستخدم بمرونة عالية. فهي قد تكون ملاذًا وحليفًا حين تُستثمر لتعزيز الحركة والاختفاء، وقد تتحوّل إلى عبء وسجن عندما يُصرّ على الدفاع عنها بشكل تقليدي. لذلك، يكمن جوهر النجاح في هذا النوع من الحروب في القدرة على "تطويع الجغرافيا" بدل الارتهان لها، وعلى تحويلها من مساحة صراع إلى وسيلة تفوّق، تُمكّن الطرف الأضعف من فرض معادلات جديدة على ميدان المعركة.
الكاتب: غرفة التحرير