تمرّ القوة الغاشمة أحياناً بلحظة الحقيقة، وهي اللحظة التي تكتشف فيها أن التفوق التكنولوجي والغطاء الجوي لا يمكنهما حسم معركة فوق أرضٍ تأبى الانكسار. وبعد مرور شهر على انطلاق عملية "زئير الأسد"، يقف الكيان الصهيوني اليوم أمام مشهد تراجيدي؛ فبينما يضجّ إعلامه الرسمي ببيانات "الإنجاز العسكري" وصور الدمار، تكشف الوقائع الميدانية والتقارير المسربة عن حالة من التخبط الإستراتيجي غير المسبوق. إنها حرب تُدار بعقلية "المقامرة" القائمة على المصالح السياسية الضيقة لنتنياهو وطغمة اليمين المتطرف، الأمر الذي حوّل "الزئير" الموعود إلى صدى يتردد في خنادق الاستنزاف البري وفضائح الفساد العسكري.
أما عن اسطورة الميركافا في الجنوب اللبناني، فقد سجل اليوم الثلاثين من آذار انعطافة ميدانية قاسية؛ إذ كانت "مجزرة مدرعات" حقيقية أدت إلى خروج فصائل كاملة من الخدمة بعد تدمير نحو 13 دبابة ميركافا في عمليات نوعية اتسمت بالتحكم الناري الفائق. وقع الجيش الذي يصف نفسه بـ"الأسد" في فخ الدفاع المرن للمقاومة؛ فبدلاً من الوصول السريع إلى الليطاني كما وعد يسرائيل كاتس، وجد جنود النخبة من لواء "ناحال" والمظليين أنفسهم محاصرين في "جيوب قتل" محكمة. إن المشهد السريالي لهروب هؤلاء الجنود للاحتماء بمقار "اليونيفيل" أو الاختباء داخل المنازل المهجورة في عيناتا والقوزح، يعكس انهياراً تكتيكياً يعجز سلاح الجو عن ترميمه. لقد تحولت الصواريخ الموجهة هنا إلى بديل إستراتيجي دقيق عطل قدرة العدو على إحداث أي اختراق مستدام، ليثبت أن الجغرافيا اللبنانية وإرادة مقاتليها ما زالت هي الحاكم الفعلي للميدان.
فيما تجاوزت الأزمة حدود الفشل الميداني لتضرب عمق العقيدة العسكرية، حيث تكشفت ملامح انحلال أخلاقي صادم داخل "نخبة النخبة". إن ما بات يُعرف بفضيحة "المأزق 26"، كشفت عن تورط ضباط وطيارين في المراهنة عبر منصة "بوليماركت" (Polymarket) على توقيت الضربات العسكرية لتحقيق أرباح شخصية. وبالتوازي مع هذا الانحدار، تمارس الرقابة العسكرية دوراً مشبوهاً في "هندسة الوعي"؛ إذ تواصل التعتيم على خسائر المدرعات وصراخ جنود النخبة، مما دفع نحو 65% من المستوطنين -بحسب المعهد الإسرائيلي للديمقراطية- إلى البحث عن الحقيقة عبر تطبيقات "واتساب" و"تلغرام"، وهو ما عمّق أزمة الثقة بالقيادة العسكرية كما أشار المحلل "أمير بوخبوط".
من ناحية اخرى، تبرز معالم التخبط أيضاً في التعامل مع الملف الإيراني، حيث تروج الدوائر الغربية لما يعرف بـ "إستراتيجية الدفن"، وهي محاولة أمريكية لتعطيل القدرات النووية عبر ضربات جوية مركّزة تهرباً من كلفة المواجهة البرية. إلا أن هذا الرهان يصطدم بواقع "التعادل الناري" الذي فرضته طهران؛ فالمعادلة الميدانية لم تعد تسمح باستهداف المنشآت دون رد مباشر يطال العمق الصهيوني، وهو ما وضع الكيان في "فخ مفهوم الأمن المطلق" كما عبر عنه "عودي ديكل"؛ حيث باتت "إسرائيل" عالقة بين خيار وقف إطلاق نار بلا تسوية، وبين حرب استنزاف بلا مخرج.
على صعيد موازي بينما يغرق الجنود في الوحل، يواجه الكيان أزمة اقتصادية بنيوية تجلت في "ميزانية العار" التي تخدم استمرار الائتلاف الحاكم على حساب المجهود الحربي. وبحسب تقارير رصد "آراء النخبة المعارضة"، تُبذر الأموال لإرضاء القوى الفئوية وسط تجاهل تحذيرات "بنك إسرائيل" بشأن الدين العام الذي لامس 70%. إن غياب "الرأس السياسي" والمهنية داخل المكاتب الحكومية لصالح تعيين "المقربين"، يعزز القناعة بأن "إسرائيل" تخوض حرباً بلا بوصلة، ففي الوقت الذي يموت فيه الجنود، ينشغل "بنيامين" بتثبيت أركان حكمه ضارباً عرض الحائط بمصالح الدولة العليا.
وفي الخلاصة يغرق الكيان اليوم في كذبة النجاحات المزعومة التي تفتقر إلى أي أفق سياسي مستقر. إن العجز عن تحويل القوة العسكرية إلى ترتيب إستراتيجي، يعكس تيهاً يجعل من كل ما يُسمى "نصر" مؤقت خطوة إضافية نحو استنزاف أعمق. لقد أثبتت أحداث آذار 2026 أن الإفراط في القوة مع غياب الرأس السياسي هو الوصفة المثالية للهزيمة الذاتية؛ فالكيان الذي يبيع الأوهام لمستوطنيه بينما يغرق في وحل الميدان وعار الميزانية، يواجه الحقيقة المرة: التفوق العسكري المزعوم قد يؤخر السقوط، لكنه حتماً لا يمنع انهيار منظومة فقدت ثقتها بنفسها قبل أن تفقد سيطرتها على الميدان.
الكاتب: علي نقر