الأربعاء 01 نيسان , 2026 06:48

الاغتيال يقابله استهداف الخوارزميات: معادلة الردع إيرانية تضرب قلب التفوق التكنولوجي الأمريكي

يمثّل البيان الصادر عن حرس الثورة الإسلامية في إيران، والذي أعلن عن معادلة ردع جديدة، قوامها كل اغتيال لقائد إيراني سيواجه باستهداف شركات تكنولوجية أمريكية أو حليفة لأمريكا في تقنية الذكاء الاصطناعي، لما لهذه التقنية من مشاركة مباشرة في عمليات الاغتيال وارتكاب الجرائم بحق الإنسانية كما حصل في مدرسة ميناب، تحوّلًا نوعيًا في واقع الصراع ومعادلات الردع ما بين الجمهورية الإسلامية في إيران وأمريكا وإسرائيل. فإيران تسعى إلى ترسيخ هذه المعادلة في المواجهة، بما يجعل الرد غير محصور في الإطار العسكري التقليدي، بل يمتدّ ليشمل البنية التحتية التكنولوجية التي تُشكّل العمود الفقري للعمليات الاستخبارية وعمليات الاغتيال الحديثة.

وفي جوهر هذه المعادلة الجديدة، تعلن إيران صراحةً أن "سلسلة القتل" التي تقود إلى الاغتيالات – بدءًا من جمع البيانات، مرورًا بالتحليل، وصولًا إلى تحديد الأهداف وتنفيذ الضربات – لم تعد تُختزل بالجيوش وأجهزة الاستخبارات، بل أصبحت تعتمد بشكل حاسم على شركات التكنولوجيا، خصوصًا تلك العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتحليل البيانات. وبذلك، فإن نقل الاستهداف نحو هذه الشركات يعني ضرب الحلقة الأكثر حساسية في منظومة التفوق العسكري الأمريكي.

وتكمن أهمية هذه المعادلة في عدة مستويات مترابطة:

أولًا، إعادة تعريف “الهدف المشروع” في الحرب: فبدلًا من الاقتصار على القواعد العسكرية أو الوحدات القتالية، تُدخل إيران الشركات التكنولوجية ضمن بنك الأهداف، باعتبارها شريكًا مباشرًا في العمليات القتالية. وهذا التوسيع سيضرب جوهر عمليات الاغتيال الجديدة المتستّرة بالطابع المدني. بحيث يصبح مهندسي البرمجيات، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات في قلب ساحة الصراع العسكري الأمني، وشركاء بالكامل في الفعل وردّ الفعل المشروع.

ثانيًا، ضرب التفوق النوعي الأمريكي في مقتل: إن دور أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل "مافن" الذي تطوره شركات كـ"بالانتير"، يعتبر العمود الفقري للقدرة الأمريكية على تنفيذ مئات أو آلاف الضربات خلال وقت قياسي، لأنها تعتمد في ذلك على التكامل بين الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وبالتالي، فإن تهديد هذه الشركات يعني عمليًا تهديد القدرة على إنتاج الأهداف نفسها، أي تعطيل "العقل" الذي يدير الحرب، لا مجرد "الذراع" التي تنفذها (الذي حققت الجمهورية الإسلامية إنجازات لافتة في قطعها).

ثالثًا، نقل المعركة إلى المجال التكنولوجي العالمي: فعندما تُدرج إيران شركات مثل Cisco وGoogle وMicrosoft وNvidia وBoeing وORACLE وغيرها ضمن قائمة الأهداف، فهي لا تهدد فقط منشآت في ساحة إقليمية، بل تضرب شبكة مصالح عالمية مترابطة، تمتد من وادي السيليكون إلى أوروبا والخليج الفارسي. وهذا يخلق ضغطًا هائلًا على أمريكا وحلفائها في العدوان على إيران، بحيث تصبح تكلفة أي عملية اغتيال مرتفعة ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً واستثمارياً.

رابعًا، خلق ردع غير متماثل عالي الفعالية: إن إيران المحاصرة منذ أكثر من 47 عاماً والتي تواجه بمفردها دون مساعدة أي دولة كل المعسكر الغربي بقيادة أمريكا، لا تمتلك تفوقاً تقنياً مماثلًا لما تملكه أمريكا وحلفائها، لذلك تشكّل هذه المعادلة استهدافاً لنقاط الضعف البنيوية في هذا التفوق. فبدلًا من محاولة مجاراة التكنولوجيا الأمريكية، تسعى إلى جعل استخدامها مكلفًا وخطيرًا. وهنا يتحقق الردع: ليس بمنع العدو من امتلاك القدرة، بل بجعله مترددًا في استخدامها.

خامسًا، التأثير النفسي والعملياتي المباشر: الدعوة الصريحة لموظفي هذه الشركات لإخلاء مقار عملهم، وتحذير السكان من الاقتراب منها، يعكس محاولة إحداث حالة ذعر واضطراب داخل هذه المؤسسات. فإذا استجابت هذه الشركات أو حتى اتخذت إجراءات احترازية، فإن ذلك قد يؤدي إلى تعطيل فعلي في عمليات البحث والتطوير أو الدعم اللوجستي للعمليات العسكرية.

سادسًا، ترسيخ معادلة "الرد بأضعافه" بشكل موسّع: فالبيان الإيراني يضع الجميع المشاركين في جرائم الاغتيال في خانة واحدة، بحيث لا يميّز بين من ينفذ الاغتيال ومن يسهّله ويشارك فيه تقنيًا. وهذا يعني أن أي عملية اغتيال – سواء نفذها الجيش الأمريكي مباشرة أو عبر "إسرائيل" – ستقابل برد يستهدف هذه المنظومة المتكاملة، ما يرفع مستوى المخاطر إلى حد غير مسبوق.

لذلك، فإن هذه المعادلة الجديدة ترسّخ انتقال إيران من ردع تقليدي قائم على الصواريخ والعمليات العسكرية، إلى ردع مركّب يستهدف "نظام الحرب" بأكمله، من الخوارزمية إلى غرف العمليات. وهذه المعادلة هي كسر للاحتكار الأمريكي للهيمنة التكنولوجية عبر تهديد البنية التي تقوم عليها، وتحويل التفوق الرقمي من مصدر قوة إلى نقطة ضعف قابلة للاستهداف. وعليه، فإن خطورة هذه المعادلة لا تكمن فقط في طبيعة الأهداف التي تشملها، بل في كونها تؤسس لمرحلة جديدة من الحروب، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة في القتال فحسب، بل أصبح نفسه هدفًا مركزيًا في معادلات الردع والصراع. وبهذا تُثبت إيران للعالم كلّه أنّ العدوان الأمريكي عليها مهما كان ضخماً وشاملاً، ستواجهه بقوة مضاعفة وذكية بما يفشله ويجعل واقعه أصعب بكثير من ماضيه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور