الخميس 02 نيسان , 2026 01:16

إيران تعيد ترتيب المنطقة ضمن نظام إقليمي جديد

صواريخ بالستية إيرانية

في خضمّ العدوان الأميركي الإسرائيلي المتصاعد ضد إيران، تبدو الجمهورية الإسلامية قد نجحت في نقل الصراع من إطار الضربة المحدودة والسريعة إلى حرب استنزاف مفتوحة امتدّت من أيام إلى أسابيع أشهر مع قابلية الاستمرار لأشهر طويلة. ووفق مصدر إيراني مطلع للخنادق فقد أعدّت إيران العدة لحرب من ستة أشهر الى سنتين، وجهزّت شعبها وقدراتها العسكرية ومستلزمات الصمود من مواد غذائية وتموينية وطبية لها. وقد رصدت مبلغ 100 مليار دولار لكلفة هذه الحرب ولترميم خسائرها المادية. هذا التحول بحد ذاته يُعدّ إنجازًا استراتيجيًا، إذ كشف حدود القوة الأميركية، وأظهر أن التفوّق العسكري والتكنولوجي وحده لا يعني القدرة على الحسم السريع. وقد أقرّ مسؤولون أميركيون، في أكثر من مناسبة، بأنّ أي مواجهة واسعة مع إيران ستكون "مكلفة وطويلة" وأنه لا يمكن إسقاط النظام بالضربات الجوية، فيما حذّرت تقارير داخل الكونغرس من الانزلاق إلى حرب بلا أفق واضح أو رؤية للخروج منها.

في موازاة ذلك، برزت تباينات داخل المعسكر الغربي، حيث أبدت أغلب دول الناتو تحفظًا على الانخراط في التصعيد، ما عكس خلافًا غير مسبوق مع واشنطن حول إدارة المواجهة. وبهذا نجحت طهران في تعميق الخلاف بين الناتو ورئيس الإدارة الأميركية الذي أعلن نيته الانسحاب من هذا الحلف ومعاقبته بسبب عدم مشاركته في الحرب على إيران، كما ظهرت بوادر توتر في العلاقة بين إدارة الرئيس ترامب وبعض الدول الخليجية، التي عبّرت عبر قنوات دبلوماسية وإعلامية عن قلقها من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة ومكلفة ستدفع ثمنها هذه الدول والمنطقة برمتها، رغم ان هذه الدول ما تزال تواصل التعاون والتنسيق الأمني مع واشنطن وتل أبيب أيضا (الإمارات مثالا). هذا التباين ترافق مع خطاب أميركي متهافت ومتناقض، ورأى الأميركيون أن ترامب في كل خطاب له يتحدث عن الشيء ونقيضه، ومنها، أنه انتقل بين التهديد بالتصعيد والدعوة إلى التفاوض، وبين إسقاط النظام إلى إمكانيةالحوار معه، وبين تدمير القدرات الى التعامل معها، وبين فتح مضيق هرمز بالقوة الى تجاهل أهميته، ما أثار انتقادات داخلية حادة، واعتُبر أحد أسباب تأجيج الشارع الأميركي.

وفي هذا السياق، شهدت الولايات المتحدة موجة احتجاجات واسعة ضد الحرب، حيث خرج وفق تقديرات منظمات مدنية نحو 10 ملايين أميركي في تظاهرات متفرقة في مدن كبرى، رافعين شعارات ترفض الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. وقد حذّر نواب في الكونغرس من "تكرار سيناريوهات العراق وأفغانستان"، فيما عبّرت شخصيات سياسية عن رفضها لتحمّل كلفة مواجهة مفتوحة مع إيران.

إيران تكسر المحرمات الأميركية

ميدانيًا، نجحت طهران في كسر الهيبة العسكرية الأميركية، إذ لم تعد القواعد أو حاملات الطائرات خارج دائرة التهديد. كما تمّ كسر "المحرمات" التقليدية، حيث أصبح استهداف القواعد الأميركية والمصالح الاقتصادية والتكنولوجية المرتبطة بها أمراً عادياً ويومياً وجزءًا من معادلة الرد. وفي هذا الإطار، توسّع مسرح العمليات ليشمل العمق الإسرائيلي، الخليج، والمصالح الاقتصادية الغربية، في تطبيق عملي لما يُعرف بـوحدة الساحات وغرف العمليات المشتركة.

كما برز استخدام إيران منظومات صاروخية نوعية متطورة، من بينها صواريخ خرمشهر4 الانشطارية، وسجيل الباليستية، وقادر، في رسائل ميدانية واستراتيجية تؤكد تطور القدرات. وقد ترافقت هذه العمليات مع موجات قصف عنيفة باتجاه العمق الإسرائيلي، وُصفت بأنها من الأكثر كثافة وعنفا، ما أدى إلى تعطيل أو إرباك منظومات الدفاع الجوي وفتح ثغرات في "السماء الإسرائيلية" لتصبح معبدة مفتوحة أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية، ساعد في ذلك التنسيق مع جبهات محور المقاومة لا سيما مع لبنان عبر تنفيذ عمليات مشتركة حيث تقوم المقاومة باستهداف الرادارات ومنظومات الدفاع الإسرائيلية ما يؤدي الى تعطيلها او إشغالها مما يجعل الطريق سهلة ومفتوحة للصواريخ الإيرانية.

معادلة طهران: الحصار بالحصار والعقوبات بالعقوبات

اقتصاديًا، فعّلت إيران أوراقًا حساسة، أبرزها التحكم بمضيق هرمز الحيوي، ما انعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا في الغرب. كما طرح الإيرانيون معادلة جديدة تحت عنوان " الحصار بالحصار والعقوبات بالعقوبات"، في محاولة للرد على العقوبات والضغوط الاقتصادية الأميركية. وفي هذا الإطار تمت المصادقة في مجلس الشورى الإيراني على فرض رسوم مالية جمركية على كل سفينة – لا سيما المرتبطة بالعدوان- تريد العبور من المضيق، وبعد أن كانت طهران معاقبة ومحاصرة مدة أربعين عاماً هي الآن تعاقب وتحاصر كل من يحاصرها أو يعتدي عليها.

في الداخل الإيراني، شكّل التماسك الشعبي والمؤسساتي عنصرًا حاسمًا، حيث شهدت الساحات حضورًا جماهيريًا واسعًا بالملايين وهو مستمر بشكل يومي، في مشهد يعكس دعمًا لخيار المواجهة واستمرار الحرب حتى الثأر لدماء الشهداء وتلقين العدو درساً قاسياً، ودعماً للقيادة السياسية الجديدة المتمثلة بقائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي، ودعماً للقوات المسلحة الإيرانية. كما أظهرت الدولة الإيرانية على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية قدرة على الحفاظ على القيادة والسيطرة رغم الاغتيالات التي طالت قيادات بارزة، وهو ما أكّد عليه مسؤولون إيرانيون بالقول إن "الضربات لم تُضعف البنية، بل زادت تماسكها".

في المقابل، لم تحقق الولايات المتحدة و"إسرائيل" أهدافهما المعلنة، سواء إسقاط النظام، أو زعزعة استقراره، أو تدمير القدرات العسكرية الصاروخية أو إنهاء البرنامج النووي، بل على العكس، أظهرت المواجهة أن هذه الأهداف اصطدمت بواقع ميداني وسياسي معقّد. وان إيران فتحت مخازنها السرية التي تكشفت عن ترسانة بعشرات آلاف الصواريخ البالستية المدمرة.

نظام إقليمي جديد

إن إيران وفق هذا المسار لم تصمد فحسب في مواجهة أعتى قوة عسكرية غاشمة في العالم أمريكا وإسرائيل، بل نجحت في إعادة رسم معادلات الردع، وفتحت الطريق أمام تحولات أعمق تمسّ مستقبل الوجود والنفوذ الأميركي في المنطقة، وتؤسس لنظام إقليمي جديد قال عنه قائد قوة القدس في حرس الثورة الإسلامية العميد إسماعيل قاآني: "على دول المنطقة أن تعتاد عليه".


الكاتب:

د. محمد شمص

-إعلامي وباحث سياسي.

- استاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية.

-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.

- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني. 

[email protected]




روزنامة المحور