فضح إغلاق مضيق هرمز رداً على العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، عن هشاشة الاقتصاد العالمي ومدى اعتماد القوى الكبرى على مسارات الطاقة في المنطقة. فخلال أيام قليلة، فقدت الأسواق نحو 20% من الإمدادات النفطية والغازية المنقولة بحرًا، وارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، ما أعاد إلى الأذهان المخاطر التي واجهتها الاقتصادات الغربية في سبعينيات القرن الماضي. لكن الأزمة اليوم ليست مجرد انعكاس اقتصادي، بل هي مؤشر على قوة المعادلة الإيرانية في الردع وموازين القوى الإقليمية.
إيران، من خلال تحكمها الذكي بمضيق هرمز، أعادت التأكيد على أن السيطرة على الممرات البحرية الحيوية تعتبر ورقة استراتيجية تؤثر مباشرة في قدرة الغرب على إدارة أسواق الطاقة العالمية. فالإغلاق فإغلاق الحركة أمام الملاحة المرتبطة بالغرب وأمريكا، يصيب الاقتصاد العالمي في قلبه، ويبرز هشاشة الاعتماد الغربي على النفط الخليجي، ما يضع الدول الغربية أمام خيارات صعبة بين محاولة الدخول على خط "التهدئة" والبحث عن حلول بديلة لن تُغني عن الطريق الأصلية.
وعلى عكس التقارير الغربية التي تخاول التقليل من أثر إغلاق المضيق -بحجة وجود بدائل نفطية في أميركا الشمالية أو خطوط أنابيب أخرى-، حيث أن الواقع يظهر أن البدائل لن تتوفر على الفور بعد فقدان النفط والغاز الخليجي. هذا يعني أن أي استمرار لإغلاق المضيق، حتى لفترة قصيرة، يفرض ضغوطًا اقتصادية هائلة على أوروبا واليابان وأجزاء من آسيا وكذلك على الخليج الذي لم يعد يصدر نفطه إلى الخارج ويستفيد من العائدات ، ما يعزز مكانة إيران كلاعب أساسي في المعادلة الدولية لها حسابها وتأثيرها.
السيناريو الأفضل، بحسب الدول الغربية والشركات العالمية هو التوصل إلى حل يفرض احترام قواعد الردع ووقف العدوان على إيران ما يؤدي إلى وقف استهداف الخليج والمصالح هناك بحسبهم، ويعاد بذلك فتح المضيق وتمون الملاحة آمنة. أما السيناريو الأسوأ للغرب، فهو استمرار الحرب على إيران ما سيؤدي إلى تدمير البنية التحتية للنفط في المنطقة، ما سيضاعف أسعار الطاقة عالميًا ويضع الاقتصاد الغربي في مواجهة أزمة طويلة، بينما يظل الاقتصاد الإيراني قادرًا على الصمود، بفضل أدوات الردع الاستراتيجية التي أثبتت فعاليتها.
إن الرسالة الأهم التي يرسلها إغلاق مضيق هرمز ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية واستراتيجية، فمن يمتلك مفاتيح الطاقة في الخليج يمتلك جزءًا كبيرًا من أوراق الضغط على الغرب. والمواجهة المستمرة مع العدوان، سواء كان أميركيًا أو إسرائيليًا، تؤكد أن إيران لن تتراجع عن حقوقها في حماية مصالحها الحيوية وموازين القوة الإقليمية. ويوضح إغلاق المضيق أن التحولات الاقتصادية العالمية مرتبطة بشكل مباشر بالقدرات الاستراتيجية الإقليمية، وأن العالم الغربي، مهما حاول استعراض حلول بديلة، لا يمكنه تجاهل قوة الردع الإيراني وفاعليتها في حماية مصالح طهران وحلفائها في مواجهة أي تهديد.
الكاتب: غرفة التحرير