الخميس 02 نيسان , 2026 06:59

الإعلام الإسرائيلي في زمن الحرب: من التغطية إلى إدارة الوعي

الإعلام الإسرائيلي

يُظهر التحليل الإعلامي للسردية التلفزيونية العبرية أن التغطية الإسرائيلية في هذا التوقيت لا تندرج ضمن الإطار الإخباري التقليدي، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى إدارة الوعي الأمني في ظل تصعيد متعدد الجبهات. فقد تصدّر الملف الإيراني المشهد بوصفه التهديد المركزي، حيث كررت القنوات الإسرائيلية المختلفة الإشارة إلى إيران بشكل كثيف، مع تنوع في أساليب المعالجة بين الطابع التحليلي الأمني، والطرح السياسي، والخطاب التعبوي.

في هذا السياق، ركزت بعض القنوات على شرح طبيعة الصواريخ الباليستية وآليات الاعتراض، مع ربط ذلك بالرسائل الأميركية والتوازنات الإقليمية، فيما ذهبت قنوات أخرى نحو تصعيد الخطاب، عبر التأكيد على ضرورة الاستمرار في ضرب إيران وبناها التحتية، وربط ذلك بقدرة الجبهة الداخلية على الصمود. أما على المستوى الميداني، فقد برزت تغطيات تركز على نتائج القصف، وحجم الأضرار، وعمليات الإنقاذ، بما يعكس سعياً إلى نقل صورة مباشرة من أرض الحدث.

غير أن العنصر الأكثر حضوراً في التغطية لم يكن فقط التهديد الخارجي، بل الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي شكّلت العنوان العملي لكافة الملفات. فقد تكررت الإشارة إلى تعليمات قيادة الجبهة الداخلية، ولا سيما ما يتعلق بالبقاء في الأماكن المحمية وعدم مغادرتها قبل صدور إشعارات رسمية. هذا التركيز لا يعكس وظيفة إرشادية فحسب، بل يكشف عن حالة قلق مجتمعي متصاعدة، ناتجة عن تكرار الإنذارات والخشية من سقوط شظايا أو ذخائر حتى بعد نجاح عمليات الاعتراض.

وفي هذا الإطار، بدت التغطية الإعلامية أقرب إلى إدارة حالة خوف جماعي، حيث جرى توظيف الخطاب الإعلامي لضبط سلوك الجمهور وتوجيهه، في ظل إدراك واضح لحساسية المرحلة. فالإعلام هنا لا ينقل الخبر فقط، بل يساهم في تشكيل الاستجابة المدنية، سواء عبر الطمأنة أو عبر التحذير المستمر.

أما على صعيد المشهد الميداني، فقد حظيت الصواريخ والاعتراضات بمساحة واسعة، مع تركيز خاص على مناطق الوسط، بما في ذلك تل أبيب ومحيطها. وبرزت مشاهد سقوط الشظايا والأضرار في المباني، إلى جانب تغطيات لعمليات إنقاذ المصابين والعمل الميداني للقوات المختصة. هذا النوع من التغطية يحمل بعدين متناقضين؛ فمن جهة يسعى إلى طمأنة الجمهور عبر إظهار سرعة الاستجابة، ومن جهة أخرى يعمّق الإحساس بالخطر عبر عرض مشاهد الدمار والإصابات بشكل متكرر.

وفي موازاة ذلك، حضرت قضية الملاجئ بوصفها عنواناً لأزمة مدنية تتجاوز البعد الأمني المباشر. فقد ركزت القنوات على مسألة فتح الملاجئ وجاهزيتها وسهولة الوصول إليها، إضافة إلى دور البلديات في إدارة هذا الملف. كما ظهرت انتقادات تتعلق ببطء فتح بعض الملاجئ أو عدم جهوزيتها، إلى جانب الحديث عن إصابات وقعت أثناء توجه المدنيين إلى الأماكن المحمية. هذه المعطيات تعكس أن مصدر القلق لا يقتصر على التهديد الخارجي، بل يمتد إلى فعالية البنية التحتية المدنية وقدرتها على الاستجابة في ظروف الطوارئ.

ومن الزوايا اللافتة في التغطية، الحضور المتزايد لجبهة لبنان، التي لم تُعرض كجبهة منفصلة، بل كجزء من مشهد أمني أشمل يتسم بتعدد الساحات. فقد تكرر الحديث عن مستوطنات الشمال وخطوط التماس، إلى جانب الإشارة إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما طُرحت تساؤلات حول قدرة "إسرائيل" على إنهاء القتال في هذه الجبهة، أو اضطرارها لمواصلة العمليات في ظل تعقيدات الميدان. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة، لأنه يكشف عن انتقال القلق من مستوى الحدث الآني إلى مستوى الاستقرار طويل الأمد، ولا سيما فيما يتعلق بإمكانية عودة السكان إلى مناطقهم الشمالية.

إلى جانب ذلك، ظهر اليمن كجبهة مساندة في الخطاب الإعلامي، وإن كان حضوره أقل من إيران ولبنان. غير أن إدراجه ضمن التغطية يعكس محاولة لترسيخ صورة المواجهة متعددة الجبهات، وهو ما يخدم هدفين رئيسيين: تبرير حالة الاستنفار الأمني، وتعزيز شعور الجمهور بأن التهديد لم يعد محصوراً ضمن نطاق جغرافي واحد.

أما الحضور الأميركي، فقد شكّل بعداً أساسياً في التغطية، حيث برزت الولايات المتحدة، ولا سيما الرئيس دونالد ترامب، كعامل مؤثر في مسار الحرب. ولم يقتصر النقاش على الجانب الدبلوماسي، بل امتد إلى تحليل أهداف واشنطن وطبيعة تعاملها مع إيران، إضافة إلى احتمالات التوافق أو الاختلاف مع الحكومة الإسرائيلية بشأن إدارة التصعيد. ويعكس هذا الحضور أن الإعلام الإسرائيلي لا ينشغل فقط بالميدان، بل أيضاً بالغطاء السياسي الدولي الذي يحدد سقف العمليات واتجاهاتها.

ومن خلال رصد المؤشرات المرتبطة بحالة القلق لدى المستوطنين والسكان، يمكن تحديد أربعة مستويات رئيسية. أولها التكرار المكثف للحديث عن الملاجئ وتعليمات الحماية، وهو مؤشر واضح على تراجع الشعور بالأمان في الحياة اليومية. وثانيها كثافة التغطية الميدانية لمواقع السقوط والإنقاذ، بما يعزز إدراك الجمهور بأن الخطر مباشر وملموس. أما المستوى الثالث، فيتمثل في بروز الانتقادات المرتبطة بجهوزية الخدمات والبنية التحتية، ما يعكس قلقاً من ضعف الاستجابة المدنية. في حين يتجلى المستوى الرابع في الحضور المتكرر لجبهة الشمال، وما يرتبط بها من تساؤلات حول الاستقرار وإمكانية العودة إلى الحياة الطبيعية.

وعند مقارنة أداء القنوات المختلفة، يتضح وجود تمايز في الأسلوب والمضمون. فقد ركزت بعض القنوات على الوقائع الميدانية والتفاصيل المرتبطة بالإنقاذ والأضرار، فيما جمعت قنوات أخرى بين التغطية الميدانية والتحليل السياسي والأمني. كما برزت قنوات اتجهت نحو الطابع التقني، عبر شرح منظومات الدفاع وآليات الاعتراض، في مقابل قنوات تبنّت خطاباً أكثر تعبئة وأيديولوجية، مع التركيز على الصمود والحسم والانتقاد الداخلي.

في المحصلة، تكشف هذه التغطية أن الإعلام الإسرائيلي يعمل ضمن مقاربة تتجاوز نقل الأحداث إلى إدارة إدراك الجمهور للتهديدات. فكلما ازداد التركيز على الملاجئ والتعليمات والإخلاء، تعززت صورة مجتمع يعيش تحت ضغط أمني متواصل. كما أن توسيع دائرة التغطية لتشمل أكثر من جبهة يعكس إدراكاً بأن الصراع لم يعد محصوراً، بل بات مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وعليه، يمكن القول إن السردية الإعلامية العبرية في هذا السياق تعكس حالة مركبة من التوتر والتهيؤ، حيث يتقاطع البعد الأمني مع البعد النفسي والاجتماعي، في محاولة لضبط التوازن بين الطمأنة والتحذير. وهي سردية تكشف، في جوهرها، عن قلق متزايد من طول أمد المواجهة، ومن قدرة الجبهة الداخلية على تحمّل تبعاتها، في ظل بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من التعقيد والتصعيد.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور