شهدت الجبهة اللبنانية تحولاً نوعياً في مسار العمليات الميدانية، حيث انتقل العدو الإسرائيلي إلى تنفيذ هجوم بري متعدد المحاور مدعوماً بتغطية نارية كثيفة ذات طابع تدميري واسع، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد. في المقابل، نجحت المقاومة في امتصاص هذا التحول عبر إعادة تشكيل بيئة القتال، من خلال إنشاء بقع دفاعية صلبة ومكامن قتالية معقدة، ما أدى إلى تعطيل زخم التقدم المعادي وتحويل القرى الأمامية إلى ساحات استنزاف فعالة. وقد برز بوضوح اعتماد المقاومة على تكتيك الدفاع النشط والمتحرك، الأمر الذي مكّنها من الانتقال من حالة الاحتواء إلى حالة المبادرة الميدانية، فيما عكس أداء العدو حالة عجز بري واضحة دفعته إلى اللجوء إلى القصف الجوي المفرط وسياسة الأرض المحروقة لتعويض الإخفاق في الحسم الميداني.
على المستوى العملياتي، أظهرت منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة درجة عالية من الصلابة والمرونة في آن معاً، إذ تمكنت من إدارة عشرات العمليات المتزامنة والمتنوعة، التي تراوحت بين الاشتباك المباشر من مسافات قريبة جداً والرمايات المدفعية وصولاً إلى الضربات الاستراتيجية. وقد تجلّى هذا الأداء في قدرة المقاومة على الجمع بين اللامركزية التكتيكية في إدارة العقد الدفاعية، والمركزية في التخطيط الاستراتيجي، ما منحها مرونة عالية في التكيف مع تطورات الميدان. في المقابل، بدا العدو الإسرائيلي في حالة ارتباك قيادي واضح، مع مؤشرات على فقدان الرؤية التكتيكية، الأمر الذي اضطره إلى إنشاء مواقع بديلة نتيجة فقدان أو تعطّل مواقعه الأساسية، في انعكاس مباشر لحجم الضغط الذي يتعرض له في الميدان.
أما على صعيد محاور التوغل، فقد تركزت المعارك بشكل أساسي في القطاع الشرقي الذي يُعد الأكثر اشتعالاً، حيث سعى العدو إلى السيطرة على التلال الحاكمة، إلا أن المقاومة نجحت في تحويل هذه المنطقة إلى نقطة استنزاف حادة للدروع، مستهدفة دبابات الميركافا بأسلحة موجهة بدقة. وفي القطاع الأوسط، اتخذت المواجهات طابع الاشتباك المباشر والقريب، حيث واجهت المقاومة محاولات الاختراق بتكتيكات حرب المدن، مستخدمة الوسائل الهندسية والمسيّرات الانقضاضية بفعالية عالية. أما في القطاع الغربي، فقد حاول العدو التقدم باتجاه الساحل، غير أن المقاومة اعتمدت مزيجاً من الدفاع الثابت والمرن، مستدرِجةً القوات المعادية إلى مناطق نارية قاتلة أضعفت قدرتها على المناورة.
وفي سياق تكتيكات القتال البري، برز التكامل الواضح بين مختلف الأسلحة لدى المقاومة، حيث تم الجمع بين عمل المشاة في الاشتباكات المباشرة، والجهد الهندسي عبر العبوات، واستخدام الطائرات المسيّرة الهجومية، إلى جانب الرمايات الصاروخية المستمرة، في منظومة قتالية متكاملة. وقد عزز هذا الأداء امتلاك المقاومة لقدرات استخبارية تكتيكية لحظية، مكّنتها من رصد تحركات العدو بدقة وتوجيه ضربات جراحية إلى تجمعاته. في المقابل، اعتمد العدو على نمط تقدم مدرع بطيء، مع تجنب الاشتباك المباشر نتيجة الخشية من حرب العصابات، ما دفعه إلى اعتماد أسلوب التدمير الواسع وتسوية المناطق السكنية بالأرض كبديل عن المواجهة المباشرة.
وعلى مستوى مناورة النار، أدارت المقاومة عملياتها النارية وفق رؤية متكاملة هدفت أولاً إلى عزل ساحة المعركة عبر استهداف مواقع الحافة الأمامية لمنع وصول التعزيزات، وثانياً إلى ضرب العمق الاستراتيجي للعدو من خلال استهداف مراكز القيادة والبنى اللوجستية الحساسة، وثالثاً إلى إسناد القوات البرية عبر استخدام المسيّرات الانقضاضية التي أثبتت فعالية في تحييد الدروع المتطورة. في المقابل، اعتمد العدو على استراتيجية نارية قائمة على التدرج المكاني، حيث ركّز في المرحلة الأولى على تدمير الحافة الأمامية لخلق منطقة عازلة، ثم استهدف العمق التكتيكي لمنع الإمداد، قبل أن ينتقل إلى ضرب العمق الاستراتيجي عبر الغارات والاغتيالات في محاولة لإضعاف البنية القيادية والضغط على البيئة الحاضنة.
وفي ما يتعلق بالدفاع الجوي، نجحت المقاومة في فرض مستوى من الإزعاج العملياتي على سلاح الجو المعادي، من خلال استهداف الطائرات بصواريخ أرض-جو وإسقاط طائرات استطلاع وإصابة مروحيات عسكرية، ما أدى إلى تقييد حرية الحركة الجوية وإرباك عمليات الإخلاء والدعم لدى العدو. وقد انعكس هذا الأداء على مجمل المعركة، حيث فقد العدو أحد أهم عناصر تفوقه التقليدي.
أما في البعد النفسي، فقد تمكنت المقاومة من فرض معادلة ضغط مضاد عبر الاستمرار في استهداف مستوطنات الشمال، ما أدى إلى تكريس واقع تهجيري وأضعف الرواية الإسرائيلية حول القدرة على تأمين الجبهة الداخلية. في المقابل، فشل العدو في تحقيق تأثير نفسي حاسم رغم حجم التدمير الكبير، إذ استمرت المقاومة في القتال وإطلاق الصواريخ حتى من المناطق التي تعرضت لتدمير واسع، ما وجّه رسالة واضحة بفشل استراتيجية كسر الإرادة.
وتشير المعطيات الميدانية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية إلى أن المقاومة نجحت في تحقيق صمود ميداني منضبط وفعّال، حيث استطاعت تحويل التوغل البري الإسرائيلي إلى حالة استنزاف يومي مستمر. في المقابل، يعاني العدو من تعثر بري واضح وتشتت في الجهد الناري، مع عجز عن تثبيت السيطرة على مناطق الاشتباك، ما يدفعه إلى تصعيد القصف والاغتيالات في محاولة لتعويض الفشل الميداني والسعي إلى تحقيق صورة نصر لم تتبلور على أرض الواقع.
الكاتب: غرفة التحرير