الجمعة 03 نيسان , 2026 04:06

أوروبا والحرب على إيران: توازن دقيق بين التحالف والامتناع

أعلام دول أوروبية وصواريخ إيرانية

لا يمكن فهم الموقف الأوروبي من الحرب بوصفه مجرد رد فعل سياسي ظرفي، بل هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية والاستراتيجية التي تحكم سلوك الدول الأوروبية في الأزمات الدولية. فالدول الأوروبية تتحرك ضمن توازن دقيق بين التزاماتها داخل التحالف الغربي، وحرصها على تجنب الانخراط في صراع عسكري مباشر، إلى جانب سعيها للحفاظ على دور دبلوماسي فاعل. غير أن هذا الموقف لا يتخذ شكلًا موحدًا، بل يتوزع بين أنماط مختلفة من التموضع داخل التحالف. ففي حين تميل بعض الدول إلى التحفظ أو الاستقلال النسبي، يبرز الموقف البريطاني بوصفه حالة مميزة، إذ يجمع بين اصطفاف سياسي واضح مع الولايات المتحدة واستعداد لتقديم دعم عملي غير مباشر، دون الانتقال إلى مستوى المشاركة العسكرية المباشرة. وهذا ما يعكس نموذجًا وسيطًا بين الانخراط الكامل والامتناع التام.

ومن هذا المنطلق، يظهر الموقف الأوروبي كحالة مركّبة تجمع بين دعم سياسي محدود للحلفاء، ورفض المشاركة العسكرية، مع التركيز على احتواء التصعيد والدفع نحو الحلول الدبلوماسية. ولتفسير هذا السلوك، تعالج الورقة المرفقة أدناه، الموقف الأوروبي على عدة مستويات مترابطة، تشمل الموقف العام للاتحاد، والمواقف الوطنية للدول الرئيسية، ثم تحليل بنيته الداخلية، وصولًا إلى الخلفيات والتقديرات التي حكمت قرار عدم المشاركة في الحرب.

الخلاصة الدراسة:

يمكن توصيف الموقف الأوروبي العام بأنه محاولة لإدارة توازن معقد بين الالتزام بالتحالف الغربي وتجنب الانخراط في حرب عالية الكلفة، إلا أن هذا الموقف لا يتخذ شكلًا موحدًا، بل يتوزع على ثلاثة أنماط رئيسية. فمن جهة، تمثل ألمانيا نموذج الامتناع شبه الكامل، حيث تلتزم سياسيًا بالإطار الغربي دون أي انخراط عسكري مباشر أو غير مباشر. ومن جهة ثانية، تجسد فرنسا نموذج الاستقلال النسبي، إذ انتقلت من تحميل أولي للمسؤولية إلى رفض قانوني وعملياتي للحرب، مع الحفاظ على دور دبلوماسي نشط. أما بريطانيا، فتقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على الجمع بين الاصطفاف السياسي مع الولايات المتحدة والانخراط العملياتي غير المباشر، من خلال الدعم اللوجستي والتنسيق واستخدام القواعد، دون التحول إلى طرف مقاتل مباشر. وتكشف هذه الأنماط الثلاثة أن السلوك الأوروبي لا يُختزل في موقف واحد، بل يعكس بنية متعددة الأبعاد تحكمها اعتبارات أمنية واقتصادية وسياسية ومؤسسية. وعلى مستوى التقديرات الاستراتيجية، خلصت الدول الأوروبية، رغم اختلاف تموضعها، إلى أن الانخراط العسكري المباشر ينطوي على كلفة مرتفعة ومخاطر تصعيد غير قابلة للضبط، مقابل قدرة محدودة على التأثير في مسار الحرب. غير أن الاختلاف بينها تمثل في كيفية إدارة هذه المعادلة، بين الامتناع الكامل، والاستقلال الدبلوماسي، والانخراط غير المباشر.

وبذلك، يمكن فهم الموقف الأوروبي بوصفه توازنًا ديناميكيًا داخل التحالف الغربي، وليس موقفًا موحدًا، حيث تتعايش داخله أنماط مختلفة من السلوك تتراوح بين التحفظ، والاستقلال، والدعم العملياتي غير المباشر. بيد أن هذا التوازن حتى الآن قد تختلّ معاييره مع استمرار ترامب في الحرب التي يريد الخروج منها، ما يجعل الموقف الأوروبي أمام استحقاق محاولة الضغط على الضغوط المتزايدة على ترامب للدفع بواشنطن نحو وقف إطلاق النار. شعرت الإدارة الأمريكية بالثقة في بدء هذه الحرب دون استشارة حلفاء أمريكا الأوروبيين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتقادهم على الأرجح بأن الضغط داخل حلف الناتو يسير في اتجاه واحد فقط. ينبغي على الأوروبيين أن يُظهروا لواشنطن أن الضغط يسير في الاتجاه المعاكس أيضًا. مع ارتفاع أسعار الوقود، وهبوط الأسواق، وتردد الحلفاء، وتفكك تحالفه الداخلي، يواجه ترامب ضغوطًا لا يستطيع التخلص منها بالقصف أو التهديد. لا تستطيع أوروبا خلق هذه الضغوط، لكن بإمكانها تشديدها. وفي هذه الأزمة، قد يكون هذا هو أفضل طريق لوقف إطلاق النار، وفق ما يتبنّى مقال صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وعنوانه: "فنّ الخروج من المأزق: كيف يمكن لأوروبا الضغط على ترامب لإنهاء الحرب في إيران؟"

لتحميل الدراسة من هنا


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور