في ضوء المعطيات المتسارعة التي تشير إلى اقتراب حصول خيار الغزو البري الأميركي للجمهورية الإسلامية في إيران، يبدو أن إدارة دونالد ترامب تقف أمام مفترق استراتيجي بالغ الخطورة، سيكون بمثابة اختبار وجودي لمكانتها كقوة عظمى. فهذا الخيار، الذي قد يبدو للبعض تصعيداً حاسماً، يحمل في طياته احتمالاً معاكسا تماماً، وهو أن يتحول إلى فرصة ذهبية لإيران لإلحاق خسائر جسيمة بالقوات الأميركية، بما قد يدفعها في نهاية المطاف إلى الفرار من المنطقة بعد عقود من الهيمنة.
أول ما يلفت الانتباه في المشهد الحالي هو مستوى الاستعداد الإيراني غير المسبوق. فالأرقام تتحدث عن تسجيل نحو 7.5 مليون متطوع، للمشاركة في الدفاع عن البلاد ضد الغزو الأمريكي المحتمل، إلى جانب ما يقارب مليون مقاتل من الجيش وحرس الثورة الإسلامية. وهذا بحدّ ذاته سيخلق بيئة قتال مختلفة تماماً عن أي ساحة حرب واجهتها الولايات المتحدة الأمريكية في العقود الأخيرة، بحيث لن تكون القوات العسكرية النظامية هي الخصم الوحيد، بل يتحول المجتمع بأكمله إلى عنصر مقاومة فاعل.
هذا العامل التعبوي الإيراني، إذا ما اقترن بجغرافيا البلاد المعقدة والصعبة، سيضع أي قوة غازية أمام تحديات هائلة. فإيران ليست ساحة مفتوحة أو سهلة الاختراق، بل هي دولة ذات تضاريس متنوعة تشمل جبالاً وعرة، وصحاري واسعة، ومدناً مكتظة، وشبكات بنية تحتية متشعبة، ومنشآت عسكرية ضخمة تحت الأرض وفوقها. هذه البيئة تتيح للقوات الإيرانية اعتماد تكتيكات حرب متعددة المستويات، تجمع بين الدفاع الثابت والمتحرك، وحرب العصابات، والاستنزاف طويل الأمد.
السيناريوهات الأميركية المطروحة، سواء كانت توغلاً محدوداً عبر قوات خاصة، أو عملية برمائية للسيطرة على جزر مضيق هرمز أو محاولة احتلال جزيرة خارك، أو حتى تصعيداً تدريجياً من الحرب الجوية إلى البرية، لا تبدو حتى على الورق قابلة للتنفيذ. فالتاريخ العسكري الأميركي، من فيتنام إلى الصومال والعراق وأفغانستان، يظهر بوضوح أنهم لطالما أخفقوا بشكل ذريع في أي خيار برّي اتخذوه. وفي الحالة الإيرانية، ستكون هذه المعضلة أكثر تعقيداً. فالقوات الأميركية، مهما بلغت قدراتها التكنولوجية، ستجد نفسها مضطرة للاعتماد على خطوط إمداد طويلة ومعرضة للاستهداف. وهنا تبرز إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية: القدرة على ضرب هذه الخطوط بشكل مستمر، سواء عبر الصواريخ الدقيقة، أو الطائرات المسيّرة، أو العمليات غير المتماثلة التي تستهدف القوافل والمراكز اللوجستية. إضافة إلى ذلك، فإن أي عملية إنزال جوي أو بحري، ستواجه مخاطر عالية منذ اللحظة الأولى. فإيران، التي راكمت خبرات كبيرة في مواجهة التهديدات الأميركية، ستعمل على استهداف نقاط الإنزال بشكل مباشر، ما قد يؤدي إلى خسائر فادحة في الساعات الأولى من المعركة. وهذه الخسائر، في سياق إعلامي وسياسي حساس داخل أمريكا، ستكون كافية لإنزال أشدّ هزيمة برئيس أمريكا المتغطرس دونالد ترامب.
ولا يمكن إغفال البعد النفسي والاستراتيجي الذي تحاول إيران ترسيخه من خلال رسائلها المتكررة: "نحن ننتظرهم". هذه العبارة ليست مجرد شعار، بل تعكس ثقة مبنية على قراءة عميقة لطبيعة المواجهة. فإيران لا تسعى إلى منع الحرب بأي ثمن، بل تبدو مستعدة لاستثمارها كفرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
في المقابل، تشير التقارير إلى وجود انقسام كبير داخل المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها. فإقالة عدد من الجنرالات، بالتزامن مع تحذيرات من أن خطط الحرب "غير عملية وكارثية"، تعكس إدراكاً داخلياً لحجم المخاطر. هذا الانقسام قد ينعكس سلباً على فعالية القرار العسكري، ويزيد من احتمالات الوقوع في أخطاء استراتيجية خلال إدارة العمليات.
فخ استراتيجي
من زاوية أخرى، فإن أي خسائر كبيرة تتكبدها أمريكا في مواجهة برية مع إيران لن تبقى محصورة في الميدان، بل ستتردد أصداؤها على المستوى الدولي. فصورة القوة التي لا تُقهر، التي حاولت واشنطن بنائها على مدى عقود، ستتعرض لضربة قاسية ومذلّة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن فشل الغزو أو تحوله إلى حرب استنزاف طويلة سيؤدي إلى انهيار منظومة النفوذ الأميركي في غربي آسيا، وهي المهزوزة أصلاً بظل العمليات الإيرانية الهجومية الفعّالة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وعندها تكون أمريكا قد أوقعت نفسها في فخ كبير، فإذا تراجعت، ستبدو ضعيفة أمام خصم تحداها علناً. وإذا مضت في تنفيذ التهديد، فإنها تدخل في حرب لا يمكن التحكم بمسارها أو نهايتها. وفي كلتا الحالتين، تكون إيران قد نجحت في فرض معادلة جديدة: إما ردع الخصم دون قتال، أو استدراجه إلى ساحة مواجهة تستفيد منها.
لذلك، أي غزو بري أميركي لإيران لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل سيتحول حتماً إلى نقطة تحول تاريخية، لن تكون جغرافيتها محصورة بالأراضي الإيرانية بل ستكون بلا شك إقليمية أيضاً. وبدلاً من أن يكون الاحتلال البري وسيلة لتعزيز الهيمنة الأميركية، سيصبح بداية النهاية لها في المنطقة.
الكاتب: غرفة التحرير