الجمعة 03 نيسان , 2026 06:30

قصف الجسور: مؤشر على أزمة استراتيجية لا على تفوق عسكري

استهداف في طهران

حين يعلن رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، أن "الجسور هي الخطوة التالية، ثم محطات توليد الكهرباء"، فهو لا يقدّم مجرد تهديد عسكري تقليدي، بل يكشف – من حيث لا يقصد – عن تحوّل عميق في طبيعة الحرب ذاتها. هذا التحول لا يعكس صعود القوة، بل على العكس تمامًا، يشير إلى مأزق استراتيجي تتراجع فيه القدرة على تحقيق الأهداف السياسية عبر الوسائل العسكرية المباشرة، ليحل محلها نمط من "العقاب الجماعي" الذي يستهدف المجتمع بدل النظام.

في الأدبيات الكلاسيكية للحرب، كما صاغها مفكرون عسكريون منذ قرون، يفترض أن تكون القوة العسكرية أداة لتحقيق أهداف سياسية محددة. لكن ما نشهده اليوم في إيران يطرح سؤالًا معاكسًا: ماذا يحدث عندما تفشل القوة في تحقيق هذه الأهداف؟ الجواب، كما يبدو في الحالة الراهنة، هو الانزلاق نحو استهداف البنية التحتية المدنية—الجسور، محطات الكهرباء، المراكز الصحية—أي نحو تقويض شروط الحياة اليومية للسكان، بدل تغيير سلوك النخب الحاكمة.

من "الحرب على النظام" إلى الحرب على المجتمع

الخطاب الرسمي الأمريكي لا يزال يصر على أن الحرب تستهدف "النظام الإيراني". غير أن الوقائع الميدانية تشير إلى العكس. فحين يُقصف جسر قيد الإنشاء، أو يُستهدف معهد بحثي مثل "باستور"، أو تُضرب منشآت دوائية، فإن الهدف لا يمكن تفسيره عسكريًا بأي معنى تقليدي. هذه ليست بنى قتالية، بل هي عناصر أساسية في استمرارية الحياة المدنية.

ما يحدث هنا هو انتقال من نموذج "الضربات الدقيقة" إلى نموذج "الضغط الشامل"، حيث يُستخدم تدمير البنية التحتية كوسيلة لإحداث صدمة مجتمعية. الفرضية الكامنة خلف هذا التحول بسيطة: إذا عانى المجتمع بما فيه الكفاية، فسيمارس ضغطًا على قيادته للرضوخ. لكن هذه الفرضية تتجاهل حقيقة تاريخية أساسية، وهي أن المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي غالبًا ما تتماسك بدل أن تنقسم.

في هذا السياق، تصبح تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول "إعادة بناء ما دمرته الحرب" أكثر من مجرد رد سياسي؛ إنها تعبير عن منطق مقاومة متجذر، يقوم على امتصاص الضربة بدل الانهيار تحتها. وهذا بالضبط ما يجعل هذه الاستراتيجية الأمريكية محفوفة بالمخاطر، لأنها قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا لما هو معلن.

العقاب الجماعي كبديل للفشل العسكري

حين تعجز القوة العسكرية عن فرض شروطها على الأرض، تلجأ القوى الكبرى تاريخيًا إلى ما يمكن تسميته بـ"العقاب الجماعي". هذا المفهوم، الذي تحظره اتفاقيات جنيف بشكل واضح، يقوم على استهداف البيئة المدنية بهدف إضعاف الإرادة السياسية للخصم.

لكن الإشكالية هنا ليست قانونية فقط، بل استراتيجية أيضًا. لأن استهداف المدنيين لا يؤدي بالضرورة إلى كسر إرادتهم، بل قد يعزز شعورهم بالظلم، ويدفعهم إلى مزيد من التصلب. وهنا يكمن التناقض الجوهري في الاستراتيجية الأمريكية: فهي تسعى إلى إخضاع إيران، لكنها تستخدم وسائل قد تزيد من تماسكها الداخلي.

بل إن التفاخر العلني بتدمير الجسور—كما ظهر في تصريحات ترامب—يضيف بعدًا آخر للمشكلة. فالحروب الحديثة لا تُخاض فقط على الأرض، بل أيضًا في ميدان الرأي العام العالمي. وعندما تُقدَّم صور تدمير منشآت مدنية كـ"إنجاز"، فإن ذلك يقوّض السردية الأخلاقية التي تحاول الولايات المتحدة تسويقها عن نفسها.

انقسام الداخل: حين تتصدع رواية الحرب من داخلها

إذا كان استهداف البنية التحتية يعكس أزمة في تحقيق الأهداف على الأرض، فإن ما يجري داخل واشنطن يكشف عن أزمة أعمق في بنية القرار نفسها. فإقالة قيادات عسكرية بارزة، على غرار الجنرال راندي جورج، لا يمكن فصلها عن سياق الحرب، حتى لو جرى تبريرها باعتبارات "إدارية" أو "تنظيمية".

في الأنظمة التي تخوض حروبًا طويلة، نادرًا ما تكون التغييرات القيادية في ذروة المواجهة مجرد مصادفات. بل غالبًا ما تعكس صراعًا داخليًا حول تقدير الموقف، أو اختلافًا في تقييم الكلفة والجدوى. التقارير التي تشير إلى تحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية ومن داخل البيت الأبيض ذاته بشأن تداعيات استمرار الحرب على الاستقرار السياسي للإدارة، تضع هذه الإقالات في سياق مختلف: ليس كإعادة ترتيب، بل كإعادة ضبط للولاء.

هذا التوتر لم يقتصر على المؤسسة العسكرية. فاستقالة مسؤولين سابقين، مثل جو كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وما رافقها من تصريحات تشكك في مبررات الحرب، تكشف عن تصدّع في الإجماع الذي تحاول الإدارة تقديمه. حين يقول مسؤول أمني رفيع إن "إيران لا تمثل تهديدًا وشيكًا"، فإن ذلك لا يعبّر فقط عن موقف شخصي، بل عن وجود قراءات مغايرة داخل أجهزة يفترض أنها تشكل العمود الفقري لصنع القرار.

هنا، لا تعود الحرب مجرد مواجهة بين دولتين، بل تتحول إلى صراع داخل بنية السلطة نفسها: بين من يرى في التصعيد ضرورة استراتيجية، ومن يراه مغامرة قد ترتد على الداخل الأمريكي سياسيًا واقتصاديًا.

أزمة القوة في النظام الدولي

ما يكشفه هذا التصعيد ليس فقط عن طبيعة الحرب في إيران، بل عن أزمة أعمق في بنية القوة الدولية. الولايات المتحدة، التي اعتادت فرض إرادتها عبر تفوقها العسكري، تجد نفسها اليوم أمام خصم لا يمكن إخضاعه بسهولة، لا بسبب تفوقه العسكري، بل بسبب قدرته على الصمود.

في هذا المعنى، يصبح قصف الجسور مؤشرًا على حدود القوة، لا على اتساعها. إنه تعبير عن انتقال من مرحلة "الهيمنة الواثقة" إلى مرحلة "الضغط القلق"، حيث تُستخدم أدوات أكثر خشونة لتعويض غياب النتائج.

في النهاية، لا يمكن فهم استهداف الجسور ومحطات الطاقة في إيران باعتباره مجرد تصعيد عسكري. إنه، في جوهره، اعتراف ضمني بفشل الاستراتيجية الأصلية. فعندما تتحول الحرب من استهداف الأهداف العسكرية إلى تدمير مقومات الحياة المدنية، فإن ذلك يعني أن الهدف لم يعد "تحقيق نصر"، بل "إدارة عجز".

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القوة التي تُفترض أنها أداة للسيطرة، تتحول إلى دليل على حدودها. وقصف الجسور، بدل أن يكون علامة على التفوق، يصبح شاهدًا على أزمة استراتيجية عميقة—أزمة لا يمكن حلها بمزيد من القصف، بل بإعادة التفكير في منطق القوة ذاته.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور