الجمعة 03 نيسان , 2026 07:34

معركة القرى الأمامية: حين تتحول الأرض إلى كمين دائم

استهداف دبابة إسرائيلية

مع دخول العدوان الإسرائيلي شهره الثاني، يتّضح أنّ جيش العدو استنفد زخمه الهجومي الأولي من دون تحقيق أي من أهدافه الحيوية، فلا هو بلغ نهر الليطاني ولا تمكن من السيطرة على مدينة الخيام ولا استطاع تأمين المستوطنات الشمالية، في حين نجحت المقاومة في فرض معادلة استنزاف متقدمة عبر إيقاع ناري متواصل عكس تحوّلًا نوعيًا في مسار المواجهة.

هذا التحول لم يقتصر على كثافة النيران، بل امتد إلى طبيعة استخدام القوات البرية الإسرائيلية، حيث كشفت رسائل أهالي جنود لواء النخبة ناحال أنّ هذه القوات باتت تُستخدم كوسيلة لامتصاص ضربات المقاومة بدلًا من تنفيذ مهام هجومية حاسمة، وهو ما يشير إلى انهيار العقيدة العسكرية الإسرائيلية التقليدية القائمة على الحسم السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم، واستبدالها بواقع ميداني قائم على التلقي والاستنزاف.

في المقابل، حافظت المقاومة على فعالية منظومة القيادة والسيطرة، إذ إن تنفيذ عشرات العمليات بأسلحة متنوعة وعلى امتداد الجبهة، مع توزيع زمني دقيق واستهداف متكرر لنقاط محددة، يؤكد وجود منظومة استطلاع نشطة وقدرة عالية على توجيه النيران بشكل فوري، بما يمنع العدو من إعادة تنظيم صفوفه أو التقاط أنفاسه، ويُبقيه تحت ضغط دائم.

أما على المستوى الميداني، فقد حاول العدو الحشد في محاور محدودة مثل الخيام والقنطرة وعيناثا، إلا أنّ هذه التحشدات تحولت إلى أهداف مباشرة لنيران المقاومة، ما أعاق أي محاولة لتنفيذ هجوم واسع ومنسق، ودفعه إلى الزج بوحدات نخبوية في مناطق معقدة، في مؤشر واضح على وجود مأزق تكتيكي حاد.

في موازاة ذلك، برزت تكتيكات المقاومة البرية بشكل لافت، خصوصًا في استهداف الدروع وآليات الهندسة، حيث أدى ضرب الجرافات والدبابات إلى شل قدرة القوات الإسرائيلية على التقدم، كما اعتمدت المقاومة أسلوب استدراج القوات إلى داخل المنازل ثم استهدافها بدقة عالية، قبل الإطباق عليها بنيران كثيفة عند محاولة الانسحاب، ما رفع من حجم الخسائر وجعل عمليات الإخلاء شبه مستحيلة.

كذلك، اعتمدت المقاومة أسلوب الدفاع المتحرك بدل الدفاع الثابت، فمنعت العدو من تثبيت نقاط تموضع آمنة، وحولت مناطق التماس إلى ساحات استنزاف مفتوحة، مدعومة باستخدام مكثف للطائرات المسيّرة الانقضاضية التي استهدفت الدروع والتحصينات بدقة عالية، ما شكّل تطورًا واضحًا في طبيعة الإسناد الناري.

وعلى مستوى العمق الاستراتيجي، واصلت المقاومة توجيه ضربات إلى مناطق حيوية في محيط حيفا وقواعد القيادة الشمالية، في تأكيد على بقاء قدراتها الصاروخية فاعلة، وربطت هذه الضربات مباشرة باعتداءات العدو على القرى، ما أسقط هدف إعادة المستوطنين إلى الشمال وكرّس معادلة الردع المتبادل.

في المقابل، لجأ العدو إلى اعتماد سياسة الأرض المحروقة عبر تكثيف الغارات والتفجيرات في القرى الحدودية، وهو ما يعكس عجزه عن تثبيت وجود ميداني فعلي، ومحاولته تعويض الفشل العسكري بإنجازات شكلية موجهة لجبهته الداخلية، بالتوازي مع استهداف العمق اللبناني لعزل خطوط الإمداد والضغط على البيئة الحاضنة.

ومن أبرز التطورات الميدانية، نجاح المقاومة في استهداف مروحية إسرائيلية وإجبارها على التراجع، وهو ما يشكل كسرًا لحرية العمل الجوي في الطبقات المنخفضة، ويؤدي إلى عزل القوات البرية عن الإسناد والإخلاء، ما يضاعف من خسائرها البشرية ويحدّ من قدرتها على المناورة.

على المستوى النفسي، شهدت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تصدعًا واضحًا مع تصاعد انتقادات أهالي الجنود، ما يعكس أزمة ثقة متنامية بين القيادة السياسية والعسكرية، في حين عززت المقاومة حضورها الإعلامي من خلال نشر بيانات دقيقة وموثوقة، مقابل استمرار التعتيم الإسرائيلي، الأمر الذي ساهم في ترجيح كفة السردية الميدانية لصالحها.

في المحصلة، تكشف معطيات الساعات الماضية عن حالة استنزاف عميقة يعيشها العدو، وعجز واضح عن تحقيق تقدم ميداني، مقابل أداء عملياتي متماسك للمقاومة التي نجحت في التكيّف مع أنماط القتال المختلفة، والحفاظ على وتيرة تصعيدية ثابتة، ما يؤكد أن زمام المبادرة لا يزال بيدها، وأن المعركة دخلت مرحلة طويلة عنوانها الاستنزاف المنهجي وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور