تُعد القناة 14 الإسرائيلية محطة تلفزيونية ذات طابع قومي متشدد، تحظى بدعم حكومي وتقارب واضح مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، وقد نجحت خلال فترة قصيرة في التحول إلى واحدة من أكثر المنصات الإعلامية مشاهدة داخل "إسرائيل". ويأتي هذا الصعود رغم الاتهامات التي وُجّهت إليها بالتحريض على جرائم حرب، إلى جانب انتقادات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، التي رأت في خطابها إثارة للكراهية ضد بعض الجنرالات بدعوى عدم امتلاكهم الحماسة الأيديولوجية الكافية. كما شككت القناة في ولاء الجيش، معتبرة أنه يفتقر إلى الالتزام العقائدي المطلوب، وهو ما يعكس توجهاً أوسع في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف، خاصة منذ اندلاع الحرب.
في هذا السياق، يبرز خطاب القناة 14 خلال شهر آذار/مارس 2026، بعد استئناف الحرب على إيران، كنموذج واضح للخطاب التعبوي والتحريضي، حيث تعتمد القناة على تكرار مفردات تدعم الجيش وتعزز الروح الوطنية، مثل الدعوة إلى الوقوف إلى جانب الجنود، وتمجيدهم بوصفهم حماة الدولة وأبطالها، إلى جانب التأكيد المستمر على مفاهيم الوحدة والقوة والصمود. ويهدف هذا النمط من الخطاب إلى رفع المعنويات وتعزيز الثقة بالمؤسسة العسكرية، إضافة إلى إعادة بناء الشعور بالانتماء الجماعي الذي تعرض للاهتزاز في السنوات الأخيرة.
بالتوازي مع ذلك، تكثّف القناة استخدام مفردات الصمود المدني، حيث تدعو السكان إلى الالتزام بالتعليمات والبقاء في الملاجئ، وتؤكد قدرة الجبهة الداخلية على الصمود والاستمرار بالحياة رغم الظروف القاسية. ويُفهم هذا التوجه بوصفه محاولة لإدارة الخوف وتحويله إلى سلوك منضبط، بما يسهم في تطبيع الحياة تحت القصف وتقليل حالة الذعر المجتمعي.
كما يلاحظ تكرار مفردات الاستمرارية التي تؤكد أن المعركة طويلة ولم تنتهِ بعد، وأن القتال سيستمر حتى تحقيق الأهداف، وهو خطاب يتقاطع مع خطاب القيادة السياسية التي تهيئ الجمهور لحرب ممتدة تتطلب جهوزية نفسية واستعداداً دائماً. وفي هذا الإطار، تعمل القناة على تثبيت فكرة أن الصراع لم يُحسم بعد، وأن الوصول إلى نهايته يمر بمراحل متعددة.
إلى جانب ذلك، توظف القناة مفردات دينية ورمزية، خاصة خلال فترة الأعياد، حيث تربط الحرب بسرديات تاريخية ودينية مثل الخلاص والحرية، في محاولة لإضفاء بعد وجودي على الصراع وتعزيز الالتفاف الشعبي حول قرارات الدولة باعتبارها امتداداً لمسار تاريخي.
في المقابل، يعتمد الخطاب على مفردات تحريضية تُشيطن الخصم وتصفه بالخطر والتهديد المباشر، ما يسهم في خلق حالة استنفار دائم لدى الجمهور، ويُستخدم هذا الأسلوب بالتوازي مع مفردات الرد والانتقام التي تبرر التصعيد العسكري وتقدّمه كفعل دفاعي مشروع. كما تُستخدم مفردات الحسم العسكري لتأكيد القدرة على القضاء على التهديدات وإظهار السيطرة، بما يعزز صورة القوة والفاعلية العسكرية.
وتتوج هذه المنظومة اللغوية بمفردات الخطر الوجودي، التي ترفع مستوى التهديد إلى حدٍّ وجودي، وتقلّص مساحة النقاش أو الاعتراض، عبر التأكيد على أن المعركة تتعلق بمستقبل الدولة وبقائها. وفي هذا الإطار، يبرز الاستخدام المكثف لضمائر الجماعة مثل نحن وشعبنا ودولتنا، في محاولة لدمج الفرد داخل الجماعة وإلغاء النزعة الفردية، وتحويل الحرب إلى سردية جماعية ذات أبعاد دينية وتاريخية.
في المقابل، يغيب عن هذا الخطاب أي حضور لمفردات النقد مثل الفشل أو الأخطاء، ما يشير إلى أنه خطاب موجّه ومضبوط بعناية، يهدف إلى ضبط الرأي العام أكثر مما يعكس نقاشاً حقيقياً. وفي الخلاصة، تعمل القناة 14 على تحقيق توازن دقيق بين بث الخوف وتعزيز التعبئة، من خلال الجمع بين مفردات التهديد ومفردات الطمأنة، بما يمنع الانهيار النفسي ويحافظ في الوقت نفسه على حالة التعبئة العامة. ويقوم هذا الخطاب على معادلة مركبة تجمع بين التحريض والتعبئة والطمأنة، وهو ما يعكس نموذجاً كلاسيكياً لإدارة الوعي في زمن الحرب.
الكاتب: غرفة التحرير