السبت 04 نيسان , 2026 01:08

من نزع السلاح إلى إبعاد الحدود: تراجع إسرائيلي تحت ضغط الميدان

صاروخ للمقاومة الإسلامية

يعكس المشهد اللبناني خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تصعيدًا ميدانيًا متواصلًا، يتداخل فيه الأداء العسكري مع الانقسامات السياسية داخل كيان الاحتلال، بالتوازي مع استمرار العدوان على المدنيين وتزايد الضغوط الداخلية في لبنان.

ميدانيًا، تواصل المقاومة الإسلامية فرض إيقاعها العملياتي على طول الجبهة الجنوبية، رغم محاولات جيش الاحتلال إعادة تنظيم تموضعه. فبعد توجيهات رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو لقواته بتجنّب التمركز داخل المنازل في القرى الحدودية، في محاولة للحد من الخسائر، بدت المؤشرات الميدانية معاكسة لهذه التوجيهات، إذ واصلت المقاومة استهداف تجمعات الجنود وآلياتهم بدقة، ما أدى إلى إصابات مباشرة وإرباك واضح في حركة القوات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، برزت عملية القنص التي نُفذت في بلدة رشاف، حيث استُهدف جنديان إسرائيليان وأصيبا بشكل مباشر، في أول عملية من هذا النوع منذ مطلع آذار. كما ترافقت هذه العملية مع استمرار وتيرة الاستهداف الصاروخي والمسيّر لمستوطنات الشمال، بما فيها كريات شمونة التي تعرضت لسبع ضربات متتالية، إضافة إلى نهاريا وروش بينا والمطلة والمالكية وغيرها، ما يعكس انتقال المقاومة إلى نمط ناري كثيف ومتكرر يهدف إلى استنزاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

كما سُجلت اشتباكات مباشرة في بلدة شمع، في مؤشر على استمرار محاولات التوغل الإسرائيلي رغم الكلفة المرتفعة، في حين اعترفت وسائل إعلام إسرائيلية بأضرار مادية كبيرة في عدد من المباني داخل المستوطنات، نتيجة الهجمات القادمة من لبنان. ويؤشر ذلك إلى عجز المنظومات الدفاعية عن احتواء التصعيد بشكل كامل، خصوصًا مع تطور استخدام المسيّرات الانقضاضية.

وبحسب المعطيات الميدانية، فإن المقاومة نجحت في إدارة ما يمكن وصفه بـ"الدفاع النشط"، حيث لم تكتفِ بصدّ التوغلات، بل انتقلت إلى تنفيذ عمليات هجومية دقيقة، معتمدة على تنسيق عالٍ بين وحدات الرصد والنيران. هذا النمط القتالي، الذي يجمع بين الاستنزاف والتعطيل، ساهم في إبطاء الاندفاعة البرية للعدو وتحويل مناطق الاشتباك إلى نقاط استنزاف مفتوحة.

كما أظهرت الوقائع أن المقاومة تدير معركة متعددة المستويات، تمتد من الخطوط الأمامية إلى العمق القريب، وصولًا إلى العمق الاستراتيجي، حيث دخلت مدن كحيفا ضمن دائرة الاستهداف، في رسالة واضحة بأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تعد بمنأى عن تداعيات الحرب.

في المقابل، بدا جيش الاحتلال يعتمد بشكل متزايد على القصف الجوي والمدفعي لتعويض تعثره البري، مع تركيز واضح على استهداف البنى التحتية والقرى الحدودية ضمن سياسة "الأرض المحروقة"، في محاولة لخلق بيئة ميدانية أقل تعقيدًا لقواته. غير أن هذا الأسلوب، رغم شدته، لم ينجح في تحقيق اختراق حاسم، بل زاد من حجم الدمار والخسائر البشرية في صفوف المدنيين.

على صعيد إعلام العدو، بدأت تتكشف ملامح خلاف واضح بين المستوى السياسي والعسكري بشأن أهداف الحرب. ففي حين يواصل نتنياهو ووزير حربه التمسك بشعار "نزع سلاح حزب الله"، تشير تسريبات قادة الجيش إلى أن هذا الهدف غير واقعي في الظروف الحالية، وأن السقف العملي يتمثل في إبعاد المقاومة بضعة كيلومترات عن الحدود.

هذا التباين انعكس في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، حيث تحدثت إذاعات وقنوات عبرية عن تشاؤم متزايد داخل المؤسسة العسكرية، مقابل خطاب سياسي تصعيدي. كما أقر ضباط إسرائيليون بصعوبة رصد منصات إطلاق الصواريخ، ما يعكس خللًا استخباريًا واضحًا في مواجهة بنية إطلاق لامركزية تعتمدها المقاومة.

في السياق نفسه، عبّرت أصوات إسرائيلية عن حالة إحباط داخل المستوطنات الشمالية، حيث تتعرض المناطق لوابل مستمر من النيران دون أفق واضح للحسم، ما يعمّق أزمة الثقة بين السكان والمؤسسة العسكرية.

أما على صعيد العدوان على المدنيين، فقد واصل الاحتلال استهداف المناطق السكنية في جنوب لبنان، ما أدى إلى ارتفاع عدد الشهداء والجرحى، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء والمسعفين. ويعكس هذا المسار تصعيدًا خطيرًا في استهداف المدنيين، في ظل غياب أي مؤشرات على التهدئة.

سياسيًا، ترافقت التطورات الميدانية مع مواقف لبنانية متباينة. فقد أكدت كتلة الوفاء للمقاومة أن التصدي لمحاولات الاحتلال يشكل نقطة تحول في رسم مستقبل لبنان، محذّرة من مخاطر إقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني. في المقابل، دعا النائب ملحم خلف إلى إعلان حالة الطوارئ وتحمل الدولة مسؤولياتها في حماية المدنيين، في حين ذهب المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان إلى اعتبار أن الحرب دخلت مرحلة ما بعد الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة و"إسرائيل".

في المحصلة، يظهر أن مشهد الساعات الأخيرة يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تفشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها المعلنة، وتغرق أكثر في حرب استنزاف مفتوحة، مقابل مقاومة نجحت في تثبيت معادلات ردع جديدة، وتوسيع نطاق الاشتباك ميدانيًا وناريًا.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور