لم يكن إعلان أنصار الله دخولهم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، حدثاً عسكرياً عادياً يمكن احتواؤه ضمن منطق "توسيع الجبهات". ما جرى يتجاوز ذلك بكثير. نحن أمام تحوّل يعيد تعريف طبيعة الصراع نفسه، حيث لم تعد الجبهات تُقاس بخطوط التماس، بل بالممرات التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، لم يعد اليمن ساحة ثانوية. لقد أصبح عقدة ضغط حقيقية، تتقاطع عندها الجغرافيا مع الاستراتيجية، ويتحول فيها الموقع إلى أداة تأثير تتجاوز حدود الدولة نفسها.
من بلد منهك إلى فاعل حاسم
طوال سنوات، جرى اختزال اليمن في صورة بلد غارق في حرب داخلية وأزمة إنسانية. لكن هذا التصور سقط مع أول صاروخ أُطلق باتجاه "إسرائيل". فجأة، عاد اليمن إلى الخريطة، لا كملف إنساني، بل كفاعل قادر على التأثير في مسار صراع دولي.
السبب ليس عسكرياً بحتاً، بل جغرافي بالدرجة الأولى. فسيطرة انصار الله على جزء كبير من الساحل الغربي تضعهم عملياً على ضفة أحد أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب. هذا المضيق، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، تمر عبره نسبة تقارب 9% من التجارة العالمية، بما في ذلك شحنات نفط وغاز وسلع استراتيجية تربط آسيا بأوروبا.
في الظروف العادية، تُذكر هذه الأرقام في التقارير الاقتصادية. أما في زمن الحرب، فهي تتحول إلى أدوات ضغط، وإلى عناصر يمكن توظيفها في إعادة رسم موازين القوة.
التوقيت الذي لا يمكن تجاهله
جاء دخول انصار الله في لحظة بالغة الحساسية: مضيق هرمز، الشريان الرئيسي لصادرات الخليج، يواجه اضطرابات حادة بفعل المواجهة مع إيران. هذا التطور وحده كان كفيلاً بإرباك أسواق الطاقة. لكن فتح احتمال اضطراب باب المندب في التوقيت نفسه يغيّر المعادلة بالكامل.
النتيجة لم تبقَ في إطار التحليل. خلال فترات التصعيد السابقة منذ أواخر 2023، دفعت المخاطر الأمنية شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 10 و14 يوماً إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا، ويرفع التكاليف التشغيلية بشكل كبير. ووفق تقديرات International Monetary Fund، فإن أي اضطراب مستمر في الممرات البحرية الحيوية ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية ويغذي موجات تضخمية عابرة للحدود.
هنا تحديداً تتضح أهمية ما حدث:
العالم لا يحتاج إلى إغلاق المضيق كي يشعر بالأزمة. يكفي أن يصبح الإغلاق احتمالاً واقعياً.
تصعيد محسوب… لا اندفاع
اللافت أن انصار الله لم يندفعوا نحو أقصى درجات التصعيد. استهداف "إسرائيل" شكّل رسالة سياسية وعسكرية واضحة، لكنه لم يترافق حتى الآن مع تعطيل شامل للملاحة في باب المندب.
هذا التدرج لا يعكس ضعفاً، بل يعكس حساباً دقيقاً. الجماعة تدرك أن الانتقال المباشر إلى استهداف السفن بشكل واسع قد يستدعي رداً عسكرياً كبيراً، ليس فقط من الولايات المتحدة، بل ربما من قوى إقليمية ترتبط مصالحها مباشرة بأمن هذا الممر.
لذلك، يتحرك انصار الله ضمن معادلة دقيقة:
- تصعيد يكفي لإثبات الحضور
- دون تجاوز الخط الذي يفرض مواجهة شاملة
هذه ليست مناورة ظرفية، بل نمط سلوك يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الحروب غير المتماثلة.
الاقتصاد كساحة اشتباك
التجربة الحديثة تقدم دليلاً واضحاً على أن التأثير لا يحتاج إلى قوة تدميرية هائلة. أكثر من 190 هجوماً استهدف سفناً في البحر الأحمر خلال أشهر سابقة، وفق تقديرات عسكرية أمريكية، لم يؤدِ إلى إغلاق الممر، لكنه كان كافياً لإرباك حركة التجارة العالمية.
النتائج كانت مباشرة:
- تراجع ملحوظ في حركة السفن
- ارتفاع تكاليف النقل والتأمين
- تأخير في سلاسل الإمداد
هذه المعطيات تكشف حقيقة أساسية:
التهديد بحد ذاته أصبح أداة ضغط فعالة، وربما أكثر تأثيراً من الفعل الكامل.
معضلة واشنطن: انتشار بلا حسم
بالنسبة للولايات المتحدة، يضيف دخول انصار الله طبقة جديدة من التعقيد. فبدلاً من مواجهة واضحة المعالم، تجد واشنطن نفسها أمام شبكة من الجبهات المتزامنة:
- الخليج
- العراق
- شرق المتوسط
- والبحر الأحمر
هذا التمدد يفرض أعباء لوجستية وعسكرية متزايدة، ويجعل من الصعب تحقيق حسم سريع. في هذا النوع من الصراعات، تتحول القوة إلى التزام طويل الأمد، وتصبح إدارة الانتشار بحد ذاتها تحدياً استراتيجياً.
بين طهران وصنعاء: تنسيق بلا تبعية كاملة
لا يمكن فصل تحرك انصار الله عن السياق الإيراني، لكن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من مجرد أوامر مباشرة. هناك تقاطع مصالح واضح، لكن مع هامش قرار لدى الحوثيين يأخذ في الاعتبار واقعهم الداخلي وحساباتهم الخاصة.
إيران تستفيد من توسيع الضغط على خصومها دون الانخراط المباشر، بينما يسعى انصار الله إلى تثبيت أنفسهم كفاعل إقليمي. هذا التوازن يمنح الطرفين مرونة، لكنه يجعل مسار التصعيد أقل قابلية للتنبؤ.
حسابات إقليمية دقيقة
دول الخليج تراقب هذا التطور بحذر. فباب المندب ليس مجرد ممر بعيد، بل جزء من منظومة تصدير الطاقة التي تعتمد عليها اقتصادات المنطقة.
أي اضطراب واسع قد يؤثر على تدفق النفط واستقرار الأسواق، لكن في المقابل، فإن الانخراط المباشر في التصعيد يحمل مخاطر فتح جبهات جديدة. هذا التوازن الدقيق يفسر حالة الحذر الإقليمي، حيث تُحسب الخطوات بعناية.
هل يتجه الصراع نحو الانفجار؟
رغم المؤشرات المقلقة، لا يزال هناك هامش لاحتواء التصعيد. انصار الله يدركون أن الذهاب بعيداً قد يفتح عليهم مواجهة يصعب التحكم بها، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية وعسكرية معقدة داخل اليمن.
لكن هذا الهامش ليس ثابتاً. كلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات انتقال الضغط إلى الممرات البحرية بشكل أوسع، وتحول التهديد إلى فعل.
الخلاصة: اليمن كاختبار للنظام الدولي
ما يحدث اليوم يفرض إعادة نظر في كيفية فهم الصراعات الحديثة. القوة لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على التأثير في تدفق التجارة والطاقة.
في هذا الإطار، لم يعد اليمن مجرد ساحة صراع محلي، بل أصبح اختباراً لقدرة النظام الدولي على حماية شرايينه الحيوية. وباب المندب، الذي كان يُنظر إليه كممر تجاري تقليدي، تحول إلى نقطة يمكن أن تحدد مسار أزمة تتجاوز حدود الإقليم.
السؤال لم يعد ما إذا كان هذا الممر سيُغلق، بل إلى أي مدى يمكن للعالم أن يستمر في العمل تحت تهديد دائم بإغلاقه.
وهذا ما يجعل اليمن، للمرة الأولى منذ عقود، لاعباً قادراً على فرض كلفة حقيقية على العالم بأسره.
الكاتب: خليل القاضي