تجري محاولات مكثفة لاحتواء ارتفاع أسعار النفط منذ بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، غير أن هذه الجهود تبدو محدودة الأثر أمام واقع ميداني يفرض منطقه على السوق. ويعكس قرار تحالف أوبك بلس زيادة الإنتاج بنحو 206 آلاف برميل يومياً لشهر أيار/مايو هذا التناقض بوضوح. اذ أن الرقم متواضع مقارنة بحجم النقص، والأهم أن القدرة على تنفيذه عملياً موضع شك في ظل تعطل طرق التصدير وتضرر البنية التحتية.
يتمثل العامل الأكثر تأثيراً في إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. حيث أدى هذا الإغلاق إلى انقطاع فعلي في التدفقات، مع تقديرات تشير إلى تراجع يتراوح بين 12 و15 مليون برميل يومياً. هذا الحجم من النقص لا يمكن تعويضه بقرارات إنتاجية محدودة، خاصة أن الدول القادرة على زيادة الإنتاج تواجه قيوداً تشغيلية وأمنية.
كما أن الزيادة التي أعلنتها الدول الثماني ضمن أوبك بلس اكتسبت طابعاً رمزياً أكثر منه اقتصادياً. اذ أن جزء كبير من هذه الكميات لن يصل إلى الأسواق ما دامت طرق الشحن الأساسية غير متاحة. حتى في حال إعادة فتح المضيق سريعاً، فإن استعادة مستويات الإنتاج السابقة تحتاج إلى وقت لإصلاح المنشآت المتضررة وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد. هذا ما يجعل أي تأثير فوري لهذه الزيادة على الأسعار محدوداً.
خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بدا أن السوق يتفاعل مع التوقعات أكثر من الوقائع. ارتفاع الأسعار اتخذ منحى مضاربياً، مدفوعاً بتقديرات نقص مستقبلي. السبب أن الإمدادات التي كانت قد غادرت الخليج قبل إغلاق المضيق استمرت في الوصول إلى وجهاتها، نظراً لأن زمن الشحن يتراوح بين أربعة وستة أسابيع. وفرت هذه الفترة هامشاً زمنياً للأسواق، وأبقت النقص في إطار التوقعات.
هذا الهامش يقترب من نهايته. مع توقف وصول الشحنات الجديدة، تبدأ الأزمة بالتحول إلى نقص مادي في الأسواق الآسيوية أولاً، ثم الأوروبية بعد أيام. عند هذه النقطة، تتراجع فعالية التصريحات السياسية ومحاولات التأثير اللفظي على السوق. خلال الفترة الماضية، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإيحاء بوجود مسارات تفاوضية لاحتواء التصعيد، ما ساهم مؤقتاً في تهدئة الأسعار. هذا الأسلوب يفقد تأثيره عندما تصبح المشكلة مرتبطة بنقص فعلي في الإمدادات، وهو ما بدأ العالم يتلمسه بالفعل من خلال قراءة السوق لهذه التصريحات وكيفية التعامل معها.
وتعكس الأسعار تعكس هذا التحول التدريجي. اقترب خام برنت من 120 دولاراً للبرميل، مع توقعات بارتفاعه إلى 150 دولاراً إذا استمر تعطل التدفقات. كما تذهب بعض التقديرات أبعد، إذ تشير إلى إمكانية تجاوز 200 دولار في حال توسع نطاق الانقطاع. هذه تعكس حجم النقص، من جهة طبيعة الطلب على النفط، الذي يتميز بمرونة منخفضة من جهة أخرى. كما أن عدم القدرة على تخفيف المستهلكين لاستهلاكهم بسرعة حتى مع ارتفاع الأسعار، يدفع السوق نحو مستويات أعلى لتحقيق التوازن.
في موازاة ذلك، تتراجع قدرة المنتجين خارج الخليج على لعب دور تعويضي. روسيا، أحد أكبر المصدرين، تواجه قيوداً ناتجة عن العقوبات الغربية حتى لو تم تخفيفها جزئياً، إضافة إلى استهداف بنيتها التحتية النفطية. الجزائر والنرويج تعملان عند حدود طاقتهما القصوى، ولا تملكان فائضاً يمكن ضخه في السوق. الولايات المتحدة وصلت إلى ذروة قدرتها التصديرية قبل سنوات، مع مؤشرات على تراجع تدريجي منذ ذلك الحين. كندا تملك هامشاً محدوداً للزيادة ايضاً، مع توجيه الجزء الأكبر من إنتاجها للسوق الأميركية.
توجد مسارات بديلة جزئية، مثل خطوط الأنابيب التي تنقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر، أو المسارات التي تتجاوز المضيق في سلطنة عُمان. كما تسمح إيران بمرور كميات محددة، بما في ذلك النفط العراقي، ما قد يضيف بضعة ملايين من البراميل يوميًا في أفضل الحالات. هذه المسارات تخفف من حدة الصدمة، إلا أنها لا تعوض الفجوة الكبيرة الناتجة عن تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
يتجاوز تأثير الحرب جانب الإمدادات المباشرة. اذ أن الهجمات على منشآت الطاقة رفعت كلفة الإصلاح وأطالت زمن التعافي. تتردد شركات الشحن من جهتها، في عبور المناطق عالية المخاطر، ما يضيف عنصراً آخر من القيود غير المباشرة على التدفقات. حتى مع توفر النفط، فإن نقله يصبح أكثر تعقيداً وكلفة، وهو ما ينعكس على الأسعار النهائية.
تعكس التقديرات المتداولة في الأوساط المالية والاقتصادية درجة عالية من عدم اليقين. بعض التحليلات تفترض سيناريوهات لتعطل الإمدادات تتراوح بين 8% و16% من العرض العالمي، مع اختلافات في تقدير مدى استجابة الطلب لارتفاع الأسعار. تقود هذه الفوارق إلى هامش واسع من التوقعات السعرية، من مستويات مرتفعة إلى قفزات حادة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو ضغوط تضخمية كبيرة.
في هذا السياق، تبدو الجهود الرامية إلى خفض الأسعار محكومة بسقف منخفض من الفعالية. القرارات الإنتاجية، والتصريحات السياسية، وحتى المسارات البديلة، تبقى أدوات محدودة أمام واقع جيوسياسي يفرض قيوده على السوق. اذ يرتبط العامل الحاسم بمسار الحرب نفسها، وبقدرة الأطراف المعنية على إعادة فتح الممرات البحرية وتأمينها.
استمرار الوضع الحالي يعني بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، مع احتمالات تصاعد إضافي إذا توسع نطاق الاستهداف أو تعمقت الأضرار في البنية التحتية. يحمل هذا المسار تداعيات تتجاوز سوق الطاقة، ليطال معدلات التضخم والنمو الاقتصادي عالمياً.
الكاتب: غرفة التحرير