لم يعد بالإمكان قراءة ما يجري في جنوب لبنان ضمن القوالب التقليدية للحروب، ولا حتى الاكتفاء بمؤشرات السيطرة الميدانية المباشرة. فالمواجهة الراهنة تجاوزت حدود "الاشتباك العسكري" إلى مستوى أعمق بكثير: إعادة تشكيل بنية التقدير لدى العدو، وفرض معادلات جديدة تُكتب بالنار، لا بالبيانات.
في هذا السياق، لم يكن ما صدر عن قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال رافي ميلو مجرد تسريب هامشي، بل تعبير مكثف عن أزمة بنيوية في فهم طبيعة الخصم. اعترافه بالفجوة بين التقدير النظري والواقع الميداني يكشف أن ما بُني عليه القرار العسكري "الإسرائيلي" لم يكن خاطئًا فقط، بل مبنيًا على فرضيات تبسيطية انهارت عند أول اختبار جدي.
من وهم السيطرة إلى صدمة الواقع
قبل هذه الجولة، ساد داخل المؤسسة العسكرية والسياسية في الكيان تصور شبه راسخ بأن حزب الله محكوم بسقف رد منخفض، وأنه غير قادر على الذهاب بعيدًا في أي مواجهة واسعة. هذه الفرضية لم تكن تحليلًا فقط، بل تحولت إلى قاعدة تشغيلية، بُنيت عليها خطط الهجوم والتوسع. لكن ما حدث ميدانيًا نسف هذه القاعدة من أساسها.
فبدل الانكفاء أو التراجع، أظهرت المقاومة قدرة على:
- الاستمرار تحت الضغط
- التكيّف مع تصاعد العمليات
- توسيع نطاق الاشتباك أفقيًا وعموديًا
وهنا تحديدًا وقع التحول: لم تتغير "قدرة" المقاومة بقدر ما انكشفت حقيقتها.
ضربة البحر: كسر حرية الحركة
الحدث المفصلي الذي أعاد ضبط إيقاع المواجهة تمثل في استهداف بارجة حربية "إسرائيلية" على مسافة تقارب 68 ميلًا بحريًا (أكثر من 120 كلم). هذه العملية لم تكن مجرد ضربة تكتيكية، بل إعلان استراتيجي واضح: البحر لم يعد مساحة آمنة.
دلالات هذه الضربة تتجاوز الهدف نفسه: (كسر احتكار العدو لحرية الحركة البحرية. كذلك توسيع مسرح العمليات إلى عمق غير متوقع، وفرض معادلة ردع جديدة تمتد من البر إلى البحر). بمعنى آخر، لم تعد الجبهة اللبنانية محصورة جغرافيًا، بل تحولت إلى مجال مفتوح تتداخل فيه الأبعاد البرية والبحرية ضمن منظومة ردع واحدة.
البر يثبت المعادلة
إذا كانت ضربة البحر قد كسرت الهيبة، فإن الميدان البري كرّس العجز. في يوم واحد فقط، أصدرت المقاومة 31 بيانًا عسكريًا، ضمن حصيلة بلغت 34 عملية، توزعت على مختلف المحاور، من الناقورة والبياضة إلى عيناتا والخيام والطيبة–القنطرة. هذه الأرقام ليست تفصيلًا، بل مؤشر على: (كثافة نارية مستمرة - قدرة تشغيلية عالية - تنوع في الوسائط (صواريخ، مسيّرات، عبوات، قنص).
في محور عيناتا وحده، تكررت الضربات على تجمعات الجنود والآليات، فيما بقيت محاور مثل رشاف والقوزح خارج سيطرة العدو رغم الضجيج الإعلامي. أما في الخيام، فإعلان القنص لم يكن مجرد عملية، بل رسالة: الأرض ما زالت بيد أهلها. وفي مزارع شبعا وجبل الشيخ، استهداف تجهيزات الإنذار المبكر يعكس سعيًا واضحًا لضرب "عين العدو" لا فقط جسده.
استنزاف ذكي: اقتصاد الحرب ينقلب
واحدة من أبرز سمات هذه المواجهة هي التحول في "اقتصاد الحرب". المعادلة باتت واضحة: (مسيّرة FPV أو صاروخ مضاد للدروع: بضع آلاف الدولارات مقابل دبابة حديثة: ملايين الدولارات). هذا الاختلال لا يرهق العدو عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا ونفسيًا أيضًا. فكل تقدم مدرع أصبح مخاطرة مكلفة، وكل تحرك مكشوف قد يتحول إلى هدف.
وهنا، يمكن فهم الحديث المتزايد عن تراجع فعالية الدبابة، ليس كنهاية مطلقة، بل كنهاية لاحتكارها دور الحسم.
ارتباك القرار وتآكل المبادرة
حين يفقد القائد القدرة على التنبؤ، يفقد الجرأة على المبادرة. هذا ما يظهر بوضوح في سلوك جيش الاحتلال:
- عجز عن تحقيق تقدم حاسم في أي محور
- تردد في توسيع نطاق العمليات
- اعتماد متزايد على القصف بدل المناورة
وفي الخلفية، يقف القرار السياسي، حيث يحاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الموازنة بين خطاب التصعيد وواقع العجز. لكن حتى هذا التوازن بدأ يتصدع، مع اضطرار الحكومة إلى السماح بإجلاء المستوطنين من الشمال، في خطوة تعكس إذعانًا فعليًا لشروط فرضتها المقاومة بالنار.
هذا التصدّع لا يمكن فصله عن التحذيرات التي صدرت سابقًا عن قيادة الجيش نفسها، حين أقرّ رئيس أركان الجيش "الإسرائيلي" بأن المؤسسة العسكرية تقترب من حافة الانهيار. لم يكن هذا التحذير توصيفًا مبالغًا فيه، بل انعكاسًا مباشرًا لضغط متعدد الجبهات، يتقدمه الاستنزاف الحاد في الجبهة اللبنانية.
فما يواجهه الجيش ليس مجرد صعوبة تكتيكية، بل أزمة مركبة: (استنزاف بري متواصل في جنوب لبنان – كذلك عجز عن تحقيق حسم سريع رغم التفوق الناري - وضغط داخلي متزايد نتيجة الخسائر وتوسّع دائرة التهديد).
وفي هذا السياق، تتحول جبهة لبنان إلى مركز الثقل في المعركة، حيث يتكثف "الألم الاستراتيجي" داخل الكيان، ليس فقط بسبب الخسائر الميدانية، بل بسبب عجز المؤسسة العسكرية عن تقديم إنجاز يمكن تسويقه داخليًا.
وهنا تحديدًا يتقاطع العسكري مع السياسي: حين يقترب الجيش من حدود قدرته، يصبح القرار السياسي محكومًا بهذا السقف، لا بما يرغب به. لذلك، فإن خطوات مثل إجلاء المستوطنين لا تُقرأ كإجراء أمني فحسب، بل كترجمة مباشرة لحالة الإنهاك التي حذّر منها قادة الجيش أنفسهم.
ما بعد الميدان: تحوّل في الوعي
التحول الأهم لا يُقاس بعدد العمليات ولا بحجم الخسائر، بل بما أحدثه في "بنية التقدير". العدو لم يعد يواجه قوة قادرة على الرد فقط، بل قوة: (قادرة على إطالة أمد المواجهة، وعلى فرض إيقاعها، كذلك قادرة على تغيير توقعاته).
وهذا النوع من التحول هو الأكثر خطورة، لأنه: يقيّد القرار العسكري، ويربك الخطاب السياسي، كما يخلق فجوة بين السردية والواقع. في المقابل، أعادت المقاومة تثبيت معيار مختلف للتقييم: الفعالية الميدانية لا الخطاب، القدرة لا الادعاء.
في النهاية؛ ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة تعريف لحدود الممكن. المقاومة لم تغيّر فقط ما تستطيع فعله، بل غيّرت ما يعتقد الآخرون أنها تستطيع فعله. وهذا هو جوهر التحول. في صراع طويل كهذا، لا تُحسم المعارك فقط بتغيير خطوط التماس، بل بتغيير طريقة التفكير. ومن ينجح في فرض معادلاته ذهنيًا قبل ميدانيًا، يكون قد خطا الخطوة الأهم نحو رسم مآلات المرحلة المقبلة.
الميدان هنا لا "يحكم" فقط… بل يتكلم، ويعيد كتابة القواعد.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]