يعتبر رئيس الأركان الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية – أمان المقدم (احتياط) في جيش الاحتلال الإسرائيلي أفي كالو، في هذا المقال الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أنه في وقتٍ وصلت فيه شعبية الكيان المؤقت في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أدنى مستوياتها، تترسّخ في أمريكا سردية مفادها أن إسرائيل جررتها إلى حرب معقّدة وخطيرة ضد إيران – كما جررتها سابقاً خلال حرب احتلال العراق عام 2003 -، وأن هذا ما قد يضرّ في أثمن أصول الكيان الأمنية وهو العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، خاصةً في واقع يعاني فيه رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو من شلل استراتيجي عميق.
النص المترجم:
يبدو أن التاريخ يصرّ على أن يعيد نفسه. ففي صيف عام 2002، وقف المواطن القَلِق بنيامين نتنياهو وخاطب أعضاء الكونغرس بصوته الباريتوني السلطوي وبقدرة تمثيلية لا يجاريه فيها أحد، قائلاً إن إسقاط نظام صدام حسين سيؤدي إلى "تداعيات إيجابية هائلة" على المنطقة. تحوّلت الحرب في العراق إلى جرح نازف في تاريخ الجيش الأميركي، ومنذ ذلك الحين انطبع اسم نتنياهو في الذاكرة الجمعية للحزب الديمقراطي باعتباره من دفع نحو حرب غير ضرورية في الشرق الأوسط. لم ينسَ الرئيس باراك أوباما ونائبه آنذاك جو بايدن ذلك، فغيّرا الاتجاه نحو الاتفاقيات النووية مع نظام آيات الله، تلك الاتفاقيات التي فكّكها دونالد ترامب عام 2018، بعد أن شجّعه نتنياهو على ذلك — ودون أن تُصاغ بدائل للفراغ الذي نشأ.

خلال 6 أسابيع من الحرب في الخليج الفارسي، ترسّخ في واشنطن — بما لا يخدم مصالحنا — سردٌ مفاده أن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى هذه المواجهة. ولا يدور الحديث هنا عن نظرية مؤامرة هامشية في أطراف السياسة الأميركية من إنتاج تاكر كارلسون، بل عن خطاب بات يكتسب شرعية في أروقة وزارة الخارجية وفي الأوساط الأكثر اعتدالاً داخل الحزب الجمهوري. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة أدنى مستوياتها على الإطلاق، بينما يتسارع تصاعد المزاج المعادي لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي بشكل مقلق للغاية.
النقاش العام عبر المحيط يختلف جذرياً عن نظيره الإسرائيلي؛ فهو أكثر واقعية ولا ينشغل بتقييم أداء الجيش الأميركي و"الجيش الإسرائيلي" (الذي يستحق كل الإشادة). بل إن تداعيات الحرب على السوق الأميركية — مثل ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وسلاسل الإمداد — تبدو القصة الحقيقية، إذ تُحدث حالة من الغليان الداخلي في الرأي العام الأميركي، وقد بدأت بالفعل تؤثر سلباً على مكانة الرئيس، بما في ذلك داخل قاعدته الداعمة الأساسية. وهكذا، كلما سُفك دم أميركي، وكلما ارتفعت كلفة التسليح وحماية خطوط الملاحة إلى مليارات الدولارات، ارتفع حتى في بنسلفانيا البعيدة ذلك السؤال المرير: "من أجل من نقاتل؟".
في لعبة تبادل الاتهامات التي ستلي، قد تتجه إدارة ترامب أيضاً إلى توجيه أصابع الاتهام نحو القدس (المحتلّة)، ما يفاقم الشرخ الذي تتحول فيه إسرائيل من أصلٍ استراتيجي ذي رابطة وهوية عاطفية عميقة، إلى عبء تتناقص فائدته ويؤثر سلباً على عملية صنع القرار في واشنطن. ورغم أنه لا يزال من المبكر تلخيص التداعيات الاستراتيجية للحرب، إلا أن نتيجة سلبية واحدة ذات آثار واسعة باتت واضحة: الانطباع المتراكم بأن رئيس الوزراء نتنياهو شجّع الرئيس ترامب على دخول الحرب، من شأنه أن يعمّق الضرر الذي لحق بمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة في توقيت بالغ الحساسية — خلال سنة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وقبيل استئناف النقاشات حول تمديد ميزانية المساعدات الأمنية لعقدٍ إضافي.

في الظروف الطبيعية، كانت القيادة الإسرائيلية ستأخذ بعين الاعتبار التأثير المحتمل على العلاقات بين الدولتين كعامل في قرار الخروج إلى حرب معقّدة وخطيرة كهذه، وبالتأكيد كاعتبار مركزي في تحديد مدتها وإدارتها. لكن في واقع يعاني فيه رئيس الوزراء نتنياهو من شلل استراتيجي عميق، ويُحتجز داخل شبكة قيوده القضائية وبقائه السياسي كعامل حاسم، لا يمكن توقّع أن يُبدي أي قدر من المسؤولية السياسية تجاه أثمن أصولنا الأمنية والوطنية: العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.
الدرس المستفاد من "عقدة العراق" قبل عقدين معروف: تستطيع أميركا أن تسامح على أخطاء استخباراتية، لكنها تجد صعوبة في مسامحة حلفاء يُنظر إليهم على أنهم ورّطوها في حرب لم تكن ترغب بها. وفي كمين الشطرنج الذي تنصبه آيات الله، قد يكون ذلك خطوة خطيرة إضافية أكثر مما ينبغي.
المصدر: يديعوت أحرونوت
الكاتب: غرفة التحرير