تُظهر عملية اتخاذ القرار في البيئات الاستراتيجية المعقّدة، ولا سيما في سياقات الحروب والصراعات، طابعًا مركّبًا يتجاوز الحسابات العقلانية الصرفة، إذ تتداخل فيها الأبعاد النفسية والإدراكية مع المعطيات الميدانية والسياسية. وتؤكد أدبيات علم النفس المعرفي أنّ صانعي القرار، مهما بلغ مستوى خبرتهم، لا يتصرفون وفق نماذج عقلانية مثالية، بل يخضعون لأنماط من التفكير المنحاز تُعرف بالتحيزات المعرفية، وهي اختلالات منهجية تؤثر على طريقة تفسير المعلومات وتقييمها، ومن ثمّ توجيه القرار النهائي. في هذا الإطار، تكشف الحرب الصهيونية على إيران ولبنان عن حضور واضح لهذه التحيزات في بنية القرار لدى القيادة الإسرائيلية، ولا سيما من خلال تحليل الخطابات الرسمية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي تعكس أنماطًا إدراكية متكررة تسهم في تشكيل السلوك الاستراتيجي العام .
أولى هذه التحيزات تتمثل في ما يُعرف بتحيز التوافر، حيث يعتمد صانع القرار على المعلومات الأكثر حضورًا في الذاكرة، لا الأكثر دقة أو شمولًا. ويتجلى ذلك في الخطاب الإسرائيلي من خلال الاستحضار المكثف لشعارات وأحداث ذات طابع عاطفي مرتفع، مثل تكرار مقولات "الموت لإسرائيل" وربطها بالسلوك الإيراني عبر عقود طويلة. هذا النمط لا يكتفي بوصف التهديد، بل يعيد تشكيله إدراكيًا ليبدو ثابتًا ومطلقًا، ما يرسّخ صورة "العدو الدائم" ويبرّر الاستمرار في المواجهة، حتى في ظل تغير السياقات الإقليمية والدولية.
أما تحيز التأكيد، فيظهر بوضوح في الانتقائية التي تحكم توظيف الأدلة والمعطيات. إذ تُستخدم الوقائع الميدانية والسياسية بما يخدم الفرضيات المسبقة حول طبيعة التهديد، في حين يتم تجاهل أو إقصاء أي معطيات قد تناقض هذه الفرضيات. ونتيجة لذلك، تتحول عملية اتخاذ القرار إلى دائرة مغلقة معرفيًا، تعزز القناعات القائمة بدل اختبارها، وتدفع نحو مزيد من التصعيد، مع تراجع القدرة على التصحيح الذاتي أو مراجعة المسار.
إلى جانب ذلك، يبرز تحيز الثقة المفرطة كعنصر مركزي في الخطاب، حيث يتم تصوير الإنجازات العسكرية والاستخبارية بلغة يقينية مطلقة، تتحدث عن "سيطرة شبه كاملة" و"إنجازات تاريخية". هذا النمط يعكس ميلًا إلى المبالغة في تقدير القدرات الذاتية، مقابل التقليل من حجم المخاطر والتحديات. وفي بيئة معقدة وغير يقينية كالحروب الإقليمية، يمكن أن يؤدي هذا التحيز إلى سوء تقدير استراتيجي، خصوصًا عندما يتم البناء على فرضيات غير دقيقة أو مبالغ فيها.
ويرتبط بذلك أيضًا ما يُعرف بوهم السيطرة، حيث يفترض صانع القرار امتلاكه قدرة عالية على التحكم في مسارات الصراع، بما يشمل أهدافًا بعيدة المدى مثل تغيير الأنظمة أو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية. هذا التصور يتجاوز حدود الواقعية السياسية، ويدفع نحو توسيع نطاق الأهداف بشكل يزيد من تعقيد الصراع وكلفته، ويجعل تحقيق "النصر" أكثر صعوبة، نظرًا لارتفاع سقف التوقعات.
في المقابل، يظهر تحيز الإسناد العدائي في طريقة توصيف الخصم، إذ يتم تصويره بوصفه كيانًا غير عقلاني، تحكمه دوافع عدائية مطلقة. هذا النمط من التفكير يُقصي إمكانية فهم سلوك الخصم ضمن سياقاته السياسية أو الأمنية، ويقوّض فرص بناء ردع متبادل أو التوصل إلى تسويات، لصالح منطق الصراع الصفري الذي لا يترك مجالًا للحلول الوسط.
ومن التحيزات البارزة أيضًا تحيز الانتماء الجماعي، الذي يتجلى في تعزيز ثنائية "نحن" مقابل "هم"، من خلال تمجيد الداخل وتوحيده في مواجهة "العدو الخارجي". هذا التحيز يؤدي وظيفة سياسية واضحة، إذ يسهم في تعبئة الجمهور خلف القيادة، ويحدّ من بروز الأصوات المعارضة، خصوصًا في ظروف الحرب، حيث يتم ربط أي نقد داخلي بإضعاف الجبهة الداخلية.
كذلك، يكشف سلوك رفض وقف إطلاق النار والاستمرار في العمليات رغم التكاليف عن حضور تحيز تصعيد الالتزام، حيث يستمر صانع القرار في المسار نفسه نتيجة الاستثمارات السابقة فيه، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو حتى معنوية. هذا التحيز يجعل التراجع أكثر كلفة من الاستمرار، حتى لو كان الاستمرار يؤدي إلى نتائج أكثر سلبية على المدى الطويل، ما يساهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد مآلاته.
ولا يمكن إغفال مغالطة السرد، التي تُدرج الحرب ضمن إطار قصصي واسع يتجاوز الواقع العملياتي، من خلال ربطها بأهداف كبرى مثل "تغيير الشرق الأوسط" أو "حماية العالم". هذا السرد يمنح الحرب بُعدًا تاريخيًا وحضاريًا، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات إلى مستويات يصعب تحقيقها، ما يجعل إنهاء الحرب دون تحقيق "نصر شامل" أمرًا معقدًا سياسيًا وإعلاميًا.
في المحصلة، تكشف هذه التحيزات عن بنية إدراكية متكاملة تحكم عملية اتخاذ القرار في الحالة الإسرائيلية، تقوم على تضخيم التهديد، وتعزيز الثقة بالذات، وشرعنة الفعل العسكري، بالتوازي مع افتراض القدرة على التحكم في مسارات الصراع. إن تفاعل هذه العوامل لا يؤدي فقط إلى توجيه السلوك نحو التصعيد، بل يحدّ أيضًا من فرص التسوية، ويزيد من احتمالات الوقوع في أخطاء تقديرية قد تكون مكلفة استراتيجيًا .
والأخطر في هذا النموذج هو الجمع بين الثقة المفرطة ووهم السيطرة، حيث يخلق هذا التلاقي بيئة خصبة لاتخاذ قرارات عالية المخاطر بناءً على تقديرات غير دقيقة، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى فشل استراتيجي، حتى في حال تحقيق نجاحات تكتيكية على المدى القصير. ومن هنا، فإن فهم هذه التحيزات لا يقتصر على التحليل الأكاديمي، بل يشكل مدخلًا أساسيًا لتفسير سلوك الفاعل الإسرائيلي، واستشراف اتجاهاته المستقبلية في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
الكاتب: غرفة التحرير