الإثنين 20 نيسان , 2026 12:00

القوة العسكرية الإيرانية حققت نتائج استراتيجية بعيدة المدى

عملية إطلاق صواريخ إيرانية

يقول الصحفي الباكستاني جاويد رانا، في هذه المقابلة التي أجراها موقع "طهران تايمز – Tehran Times" وترجمها موقع الخنادق الالكتروني، أن الردّ العسكري للجمهورية الإسلامية في إيران ضد العدوان الصهيوأمريكي، قد غيّر حسابات المنطقة وكشف حدود دبلوماسية الإكراه الأمريكية. مستنتجاً بأن نمط الرد الإيراني أعاد تشكيل البيئة الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بما يتعلق بالوجود العسكري الأمريكي عبر القواعد المتواجدة في الدول العربية.

وأشار رانا الى ما تعرضت له باكستان من ضغوط خلال العدوان، للمشاركة في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية، خاصةً من قبل السعودية والإمارات (حاولت الأخيرة ابتزاز باكستان بالديون المترتبة عليها للإمارات، فكان لهذا الأمر مفعوله العكسي). مؤكّداً أن بلاده اتخذت قراراً لا يعادي أحدًا، فلم تدعم أي طرف عسكريًا، لكنها في الوقت نفسه تبنّت موقفًا يمكّنها من المساعدة في حل المشكلة بدل أن تصبح جزءًا منها.

النص المترجم:

تقف باكستان في قلب الدبلوماسية الدولية مع استمرار الجهود لإنهاء ما يقرب من شهرين من تعدد ساحات الحرب في الشرق الأوسط. ومن خلال توظيف علاقاتها الفريدة مع كلٍّ من طهران وواشنطن، ساعدت إسلام آباد حتى الآن في تأمين وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، ما أتاح نافذة حاسمة للمفاوضات حول إنهاء دائم للصراع.

وبصفتها جارًا مباشرًا لإيران، تعرّضت باكستان لضغوط مكثفة من السعودية والإمارات العربية المتحدة للانضمام إلى حرب ضد إيران. إلا أن إسلام آباد اختارت مسارًا مختلفًا — مسارًا قد يعيد تشكيل توازن القوى الإقليمي.

أجرت صحيفة "طهران تايمز" مقابلة مع جاويد رانا، وهو صحفي باكستاني بارز وخبير في الشؤون الجيو-استراتيجية، لمناقشة الواقعين السياسي والاستراتيجي الجديدين اللذين برزا بعد المكاسب العسكرية غير المتوقعة لإيران خلال أكثر من 6 أسابيع من الحرب مع إسرائيل وداعمها الرئيسي، الولايات المتحدة الأمريكية.

وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:

مع بروز باكستان كوسيط جديد في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ما الاعتبارات الاستراتيجية التي تدفع إسلام آباد لتولي هذا الدور؟ وكيف تُقارن قدرتها الدبلوماسية بالوسطاء التقليديين مثل عُمان أو قطر؟

حسنًا، قبل أن أتناول الجزء الأخير من سؤالك، كانت باكستان في وضع معقد عندما فُرضت هذه الحرب على إيران. فمن جهة، كانت هناك السعودية التي تربطها بباكستان اتفاقية دفاع، ومن جهة أخرى كانت هناك إيران المجاورة التي تربطها بباكستان علاقات ممتازة.

ثم، بطبيعة الحال، يسعى الأمريكيون دائمًا إلى ترتيبات من وراء الكواليس. وبما أن باكستان تتقاسم حدودًا تمتد لنحو 900 كيلومتر مع إيران، فمن المؤكد أنه يمكن الافتراض بأن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تطالب بتعاون باكستان — سواء بتوفير قواعد عسكرية أو مشاركة معلومات استخباراتية حول المواقع الاستراتيجية الإيرانية.

لذلك أعتقد أن باكستان واجهت ضغوطًا من جميع الأطراف. وكان على إسلام آباد اتخاذ قرار لا يعادي أحدًا. لم تدعم باكستان أي طرف عسكريًا، لكنها في الوقت نفسه تبنّت موقفًا يمكّنها من المساعدة في حل المشكلة بدل أن تصبح جزءًا منها.

بصراحة، جاء الضغط الأكبر من السعودية. فقد حاول السعوديون تفعيل ما يُسمى باتفاقية الدفاع ضد إيران. كما مارست الإمارات أيضًا ضغوطًا على باكستان للرد على إيران — وكأن إيران هي من هاجم باكستان. لكن باكستان لم يكن بإمكانها مهاجمة إيران؛ فهذا ببساطة غير ممكن.

نعم، كان هناك دعم شعبي لاتفاقية الدفاع بين باكستان والسعودية، لكن تلك الاتفاقية وُضعت لأغراض دفاعية ضد "إسرائيل الأبارتهايد" — وليس ضد دولة مسلمة شقيقة.

باكستان، التي تمتلك تاريخًا طويلًا في التعامل مع القوى العظمى والمناورة في سياسات القوى الكبرى، تصرفت بطريقة ناضجة. وقد نسّقت إسلام آباد مع تركيا وحاولت التأثير على السعودية، وبرأيي أن هذا الجهد كان ناجحًا.

أبلغت باكستان السعودية أن إيران ليست عدوكم، وأن التحدي الحقيقي يأتي من إسرائيل. ولعدة أسباب، أصف إسرائيل بأنها دولة ثيوقراطية ذات طابع فصل عنصري وتسعى إلى التوسع.

واستنادًا إلى نصوص أيديولوجية مضللة، تسعى "إسرائيل الأبارتهايد" إلى تحقيق طموحات توسعية في المنطقة. ويُعدّ زعزعة استقرار الدول الإسلامية عبر الفوضى والحروب وإثارة الصراعات بينها جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد. لذلك، جادلت باكستان بأنه من غير الحكمة مهاجمة إيران في وقت كانت فيه إسرائيل والولايات المتحدة تنفذان بالفعل ضربات جوية واسعة النطاق ضدها.

في تلك اللحظة، كان المجال الجوي الإيراني يخضع بالفعل لضغط عسكري مكثّف من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. لذلك كان السؤال: ماذا يمكن تحقيقه أكثر من خلال تصعيد الوضع؟

كان الأمر ببساطة مسألة منطق سليم.

فلو قامت باكستان بالرد على إيران، لكانت خلقت انطباعًا واسعًا لدى الرأي العام في الدول الإسلامية بأنها دولة تابعة وتتحالف مع إسرائيل. ولم يكن الناس سيركّزون على ما يسمى باتفاقية الدفاع، بل كان السرد السائد سيصبح أن باكستان تقف ضد دولة مسلمة شقيقة.

وبمثل هذه الحجج، أفترض أن باكستان نجحت في إقناع السعودية. أما الإمارات فهي امتداد لـ"إسرائيل الأبارتهايد" في الشرق الأوسط أو تعمل كدولة تابعة للكيان الصهيوني.

وكان التحدي بالنسبة لباكستان أنها حصلت على قروض تُقدّر بنحو 3 إلى 4 مليارات دولار من الإمارات على مرّ السنوات. ولزيادة الضغط، طلبت الإمارات — بحسب تقارير — من باكستان سداد هذه القروض، التي يعود بعضها إلى عام 1996. وقد اختارت باكستان سدادها رغم هشاشة وضعها الاقتصادي.

وبالتالي، توترت العلاقات بين باكستان والإمارات. ومع ذلك، أعتقد أن هذا كان "نعمة مقنّعة" لباكستان. فقد تورّطت الإمارات في أنشطة مزعزعة للاستقرار، لا سيما في جنوب غرب بلوشستان، حيث دعمت، إلى جانب الهند وإسرائيل، جماعات إرهابية. وأشتبه في أن استثمارات الإمارات في باكستان تساعدها على تنفيذ أنشطة تجسس ضد المصالح الأمنية الوطنية الباكستانية.

وفي هذا السياق الأوسع، فإن تقليص مثل هذه الاستثمارات يخدم المصالح الأمنية الوطنية لباكستان.

بالعودة إلى سؤالك، كان هناك عامل آخر يتمثل في اقتراح أن تقوم باكستان بدور الوسيط. فمن المنظور الاستراتيجي الإيراني، حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إضعاف إيران عسكريًا، فإن طهران ما زالت تحتفظ بتفوق استراتيجي. وبرأيي، فإن الأمريكيين قلّلوا من تقدير القوة العسكرية الإيرانية ووضعها الجيو-استراتيجي.

يميل صانعو القرار في إيران إلى التفكير الاستراتيجي طويل الأمد، ولا يتخذون قراراتهم لتحقيق مكاسب قصيرة المدى.

لقد قلّلت واشنطن من قوة إيران العسكرية، والآن أعاد نمط الرد الإيراني تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وسّعت إيران نطاق المواجهة عبر استهداف أصول حيوية في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك أنظمة الرادار والبنية التحتية العسكرية في مواقع متعددة في الشرق الأوسط. وقد أحدث ذلك صدمة في واشنطن وغيّر حسابات المنطقة.

وكان مضيق هرمز عاملًا استراتيجيًا رئيسيًا آخر. فحتى التهديد لهذا الممر البحري الحيوي أثّر على الأسواق العالمية. إذ يمرّ نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وتعتمد نسبة كبيرة من واردات الطاقة الآسيوية على هذا الطريق. وأي اضطراب فيه يخلق ضغوطًا تضخمية عالميًا، بما في ذلك في الولايات المتحدة وأوروبا.

وكان لذلك تداعيات سياسية داخلية في الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية. وفي هذا السياق، يُقال إن الولايات المتحدة طلبت مساعدة باكستان. ومن جانبها، كانت باكستان مستعدة للمساعدة، ما خلق تقاطعًا في المصالح بين باكستان والولايات المتحدة من جهة، وبين باكستان وإيران من جهة أخرى.

وبالتالي، لعبت باكستان دورًا قريبًا من محاولة التوسط في اتفاق. وعلى عكس عُمان، برزت باكستان كلاعب مختلف يمتلك قدرات مؤسساتية. فعلى الرغم من أن الجيش الباكستاني كان منخرطًا بعمق في السياسة — وهو أمر مثير للجدل داخليًا — فإنه راكم أيضًا عقودًا من الخبرة الدبلوماسية والاستراتيجية.

كما يمتلك مكتب الخارجية الباكستاني تاريخًا دبلوماسيًا طويلًا. ففي عام 1971، سهّلت باكستان الانفتاح الدبلوماسي بين الصين والولايات المتحدة. وفي أواخر الثمانينيات، لعبت دورًا في انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان عبر اتفاق جنيف. ومؤخرًا، في عام 2020، ساعدت في تسهيل المفاوضات التي أدت إلى انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان من خلال محادثات مع طالبان.

وبهذه الخلفية، لم يكن التعامل مع هذه الأزمة صعبًا على باكستان كما قد يكون على عُمان أو غيرها من الدول. فقد كانت باكستان في موقع فريد، لأنها كانت تملك الكثير لتخسره — إذ واجهت ضغوطًا من السعودية والولايات المتحدة لتقديم دعم عسكري، وفي الوقت نفسه توقعات من إيران للحفاظ على الحياد.

وعلى عكس أطر الوساطة السابقة التي كانت تعتمد على مفاوضات غير مباشرة، يبدو أن باكستان انخرطت بشكل أكثر نشاطًا مع الطرفين. فعلى سبيل المثال، كانت هناك خلافات في البداية: إذ يُقال إن الولايات المتحدة طالبت إيران بالتخلي الكامل عن برنامجها النووي، في حين أشارت إيران إلى استعدادها لفرض تجميد (moratorium) — ربما لمدة خمس سنوات.

وحاولت باكستان سد الفجوة عبر استكشاف مقترحات وسطية، ربما تمتد إلى نحو عشر سنوات. وبهذا المعنى، ساهمت باكستان بأفكار وساعدت في صياغة عناصر من الاتفاق المقترح.

وبرأيي، قد يشبه الإطار المحتمل خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA)، ولكن مع تعديلات تعكس الواقع الجيوسياسي الجديد.

شاركت باكستان في مفاوضات تفصيلية وقدّمت مدخلات لكل من إيران والولايات المتحدة، ما قرّب الطرفين من اتفاق محتمل.

ولا يزال شكل الاتفاق غير واضح، لكنني أعتقد أنه قد يمثل مكسبًا استراتيجيًا لإيران. وبرأيي، قد تمثل هذه العملية بداية تقليص تدريجي للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

وأشك بشدة في أن الدول العربية ستثق بالولايات المتحدة مجددًا. فقد تحولت القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج إلى عبء عليها، إذ أصبحت هدفًا لهجمات انتقامية من إيران. ولو لم تكن هذه القواعد موجودة، لما تدهور الوضع بهذا الشكل، خاصة بالنسبة للإمارات التي اقترب اقتصادها من ركود خطير.

لذلك أعتقد أن هناك عملية إعادة تفكير جارية الآن في الشرق الأوسط بشأن بنية الأمن المستقبلية — ومن سيقدم الضمانات الأمنية. فالكثير من هذه الدول أبقت جيوشها ضعيفة عمدًا خوفًا من الانقلابات، ما جعلها تعتمد على مظلات أمنية خارجية.

والآن، تبحث هذه الدول عن إطار أمني جديد.

وبرأيي، تلعب الإمارات دورًا سلبيًا، إذ يُقال إنها تنصح بعض الدول العربية التي لم تطبع علاقاتها مع إسرائيل بعد، بالنظر في مظلة أمنية إسرائيلية. في المقابل، تطرح باكستان وتركيا أفكارًا بديلة — منها تحالف عسكري محتمل يضم باكستان والسعودية وتركيا ومصر، على أساس أن التهديد الحقيقي ليس إيران، بل عدم الاستقرار الإقليمي والعدوان الخارجي من "إسرائيل الأبارتهايد".

وأتوقع أن يظهر في النهاية تحالف رباعي، لكنه لن يكون موجهًا ضد إيران، لأن رد إيران استهدف القواعد العسكرية الأمريكية التي استُخدمت لمهاجمتها. وكانت دول الخليج نفسها قد سمحت للأمريكيين بإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها في أوائل التسعينيات بعد غزو العراق للكويت.

وغالبًا ما تتحدث هذه الدول عن انتهاك سيادتها بعد الرد الإيراني على القواعد الأمريكية التي تستضيفها. لكن السؤال: أي سيادة هذه التي يتحدثون عنها، وهم الذين سمحوا أصلًا لقوات أجنبية بالتمركز على أراضيهم؟

لهذا أعتقد أن إيران حققت مكسبًا استراتيجيًا. فمنذ البداية، دعت باستمرار إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. ومع وجود العديد من المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، قد تؤدي هذه الحرب تدريجيًا إلى تقليص هذا الوجود.

قد لا يحدث ذلك فورًا — ليس خلال أيام أو أسابيع أو حتى أشهر — لكن على مدى سنوات، أعتقد أنه سيتحقق.

أما عقلية دونالد ترامب السياسية، فهي لا تميل إلى الإنفاق العسكري طويل الأمد في الخارج. ومن المرجح أن يطلب من دول الخليج تمويل إعادة بناء القواعد العسكرية المتضررة، والتي قد تكلف تريليونات الدولارات. وأشك في أن هذه الدول ستكون مستعدة لتحمّل هذه التكاليف، خاصة بعدما باتت ترى هذه القواعد عبئًا لا مظلة أمنية.

وبهذا المعنى، تكون إيران قد حققت نجاحًا استراتيجيًا.

لقد عانى الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية والأوروبية، لكن هناك خلاصة مهمة: الدولة التي تمتلك قدرات عسكرية قوية يمكنها الحفاظ على أمنها حتى مع التحديات الاقتصادية، بينما تبقى الدول ذات الاقتصادات القوية ولكن القدرات العسكرية الضعيفة عرضة للخطر — كما يظهر في المقارنة بين إيران ودول الخليج.

هذا هو الخيار الاستراتيجي الذي اتخذته إيران قبل عقود، وقد بدأت قوّتها العسكرية الآن تؤتي نتائج ربما لم يكن بالإمكان تحقيقها بالقوة الاقتصادية وحدها. بل إن هذه القدرة العسكرية قد تساعدها في نهاية المطاف على إعادة بناء اقتصادها المتضرر.

في المقابل، فإن ضعف القدرات العسكرية والاعتماد على الولايات المتحدة أثبت أنه خيار غير مجدٍ بالنسبة للأنظمة الملكية العربية.

وهناك أيضًا تشبيه تاريخي يُستحضر كثيرًا في النقاشات الاستراتيجية، حيث يشير بعض صناع القرار إلى دروس من التاريخ الإسلامي المبكر، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على القدرات الدفاعية حتى في ظل الصعوبات الاقتصادية، بوصفها عنصر ردع استراتيجي.

وقد استلهمت باكستان بدورها هذه الأفكار، وباعتبارها قوة نووية، فهي ترى أن الردع القوي يعزز أمنها القومي.

وبرأيي، قد تمثل هذه المرحلة بداية تغيّر سياسي أوسع في المنطقة، حتى وإن لم يكن ظاهرًا فورًا، إذ قد تعيد نتائج هذه الحرب تشكيل ديناميكيات القيادة الإقليمية على المدى الطويل.

أما بشأن الجولة الثانية من المفاوضات، فإن احتمالات النجاح تبدو قائمة. فالولايات المتحدة بحاجة إلى "حفظ ماء الوجه"، وتحاول إظهار أنها لا تزال تمتلك تفوقًا عسكريًا، رغم أن الجمهور العالمي يدرك واقع الأمور على الأرض.

كما أن نشر القوات البحرية الأمريكية في بحر العرب يبدو موجّهًا أكثر للاستهلاك الداخلي، لإعطاء انطباع بأن الدبلوماسية القسرية الأمريكية دفعت إيران إلى التفاوض — وهو ما أراه غير صحيح.

فقد حافظت إيران على الضغط في مضيق هرمز، ما دفع إسرائيل نحو وقف إطلاق النار مع لبنان تحت ضغط أمريكي. هذه هي الحقيقة. أما استمرار انتشار السفن الأمريكية، فهو رمزي أكثر منه عملي.

وحتى لو استمر هذا الانتشار، أعتقد أن اتفاقًا نوويًا بات قريبًا، رغم ضرورة عدم الاستهانة بمحاولات إسرائيل عرقلة المسار الدبلوماسي.

فعلى سبيل المثال، عطّلت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان عبر تصعيد العنف، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين اللبنانيين. كما كانت هناك مخاوف أمنية حقيقية عندما توجه الوفد الإيراني إلى باكستان للمفاوضات، حيث وفرت باكستان مرافقة جوية خشية استهدافه من قبل إسرائيل.

وقد وجّهت هذه الإجراءات رسالة إلى "إسرائيل الأبارتهايد" بأن باكستان ملتزمة بتسهيل المسار الدبلوماسي لحل الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط.

وحاليًا، تجري الاستعدادات لجولة محادثات يوم الاثنين في إسلام آباد، مع تعزيز الإجراءات الأمنية حول فندق سيرينا المتوقع استضافته للمفاوضات.

وتبدو باكستان حذرة للغاية من أي محاولات لتعطيل المفاوضات، لكنني أعتقد أن فرص النجاح كبيرة، إذ إن هذا الصراع خلق اصطفافات جديدة وزخمًا دبلوماسيًا متجددًا.

كما عززت وساطة باكستان علاقاتها مع إيران، ووضعتها في موقع الوسيط الموثوق.

وفي الوقت نفسه، أدى الصراع إلى تعميق التنافس الجيوسياسي في المنطقة، مع تزايد الانقسامات الأيديولوجية. وقد يظهر محور يضم باكستان وإيران وربما أفغانستان.

ورغم ذلك، أعتقد أن المرحلة الحالية من الصراع قد تنتهي قريبًا، مع احتمال تراجع الدور العسكري الأمريكي مستقبلًا، وإن كانت التوترات لن تختفي بالكامل.

ومن التطورات المهمة أيضًا تحوّل الرأي العام العالمي، حيث أثّرت حرب غزة والمواجهة مع إيران سلبًا على صورة إسرائيل دوليًا، حتى في الغرب.

وقد يكون لذلك آثار طويلة الأمد، إذ قد لا تكون الإدارات الأمريكية المقبلة معادية لإسرائيل، لكنها قد تصبح أقل استعدادًا لتقديم دعم غير مشروط لها، سواء عسكريًا أو دبلوماسيًا.

وهذا قد يعني تقليص المساعدات والدعم في المحافل الدولية مثل مجلس الأمن.

وبهذا المعنى، قد تحقق إيران مكاسب استراتيجية على المدى الطويل، خاصة إذا تحسنت فرصها الاقتصادية نتيجة انفراج دبلوماسي محتمل.

وقد بدأت بالفعل تكهنات في الأسواق العالمية بشأن إمكانية تعافي العملة والاقتصاد الإيرانيين إذا خف التوتر العسكري. وإذا تم التوصل إلى اتفاق، فقد تبدأ إيران بإعادة بناء اقتصادها.

ومع ذلك، من المرجح أن تستمر التوترات مع إسرائيل حتى بعد أي اتفاق محتمل. وقبيل الانتخابات العامة في إسرائيل، أطلق سياسيون متشددون مثل نفتالي بينيت حملات انتخابية خطيرة تتجه نحو استهداف تركيا بعد إيران.

وقد دفع ذلك دولًا مثل تركيا إلى البحث في أطر تعاون أمني أوسع تشمل السعودية ومصر وباكستان.

كما تنظر باكستان بحذر إلى التطورات الإقليمية، إذ ترى أن عدم الاستقرار في إيران قد ينعكس على أمنها.

ويعكس التفكير الاستراتيجي الباكستاني أيضًا مخاوف من "الحرب الهجينة"، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية والعمليات الاستخباراتية ودعم الجماعات المسلحة، في حال سقوط النظام الإيراني.

كما أن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا على باكستان في السابق، مثلما حدث خلال مفاوضات صندوق النقد الدولي، عندما حاولت دفعها للتخلي عن برنامجها الصاروخي بعيد المدى استجابة لمخاوف إسرائيل، وهو ما رفضته إسلام آباد.

ويلعب الرأي العام الباكستاني دورًا مهمًا أيضًا، إذ يوجد تعاطف واسع مع القضية الفلسطينية، ويتزايد الآن تجاه إيران، ما يتجاوز الانقسامات الطائفية.

بشكل عام، أعتقد أن المفاوضات ستتقدم. ورغم التحديات، فإن الزخم الجيوسياسي يميل لصالح الدبلوماسية. وإذا نجحت، فقد تمثل نقطة تحوّل في سياسات المنطقة وتفتح الباب أمام تعافي الاقتصاد الإيراني.

هل تعتقد أن إيران والولايات المتحدة باتتا قريبتين من التوصل إلى اتفاق، أم أن الاختراق لا يزال بعيدًا؟

آمل أن يحدث ذلك. أنا متفائل جدًا بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة.

بشكل عام، يبدو أن معظم التفاصيل قد جرى الانتهاء منها. الجزء الحاسم يتعلق بالملف النووي، وأعتقد أن هناك تفاهمًا قائمًا بالفعل. ولا تزال هناك تباينات في وجهات النظر بشأن عدد السنوات التي ستعلّق فيها إيران تخصيب اليورانيوم. وكما تعلم، فإن التخصيب مسموح به ضمن إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن يبدو أن إيران مستعدة للتخلي مؤقتًا عن بعض جوانب أنشطة التخصيب لفترة محدودة.

ومن شأن هذه الخطوة أن توفّر "حفظ ماء الوجه" للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ ستساعده على تقديم الاتفاق المقترح لجمهوره الداخلي بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا.

أنا أقل يقينًا بشأن ما سيحدث فيما يتعلق بمضيق هرمز، حتى لو لم يتم التوصل إلى ترتيب رسمي بشأنه. ومع ذلك، فقد أرست إيران بالفعل واقعًا استراتيجيًا جديدًا، مفاده أن أي هجوم عليها قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وهذا وحده غيّر الحسابات الاستراتيجية العالمية.

كما توجد تقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تفرج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، والتي تُقدّر بنحو 20 مليار دولار. وإذا تم تنفيذ ذلك، فسيكون خطوة مهمة لبناء الثقة.

إضافة إلى ذلك، هناك حديث عن قرار محتمل من مجلس الأمن الدولي يمكن أن يقدّم ضمانات ضد مزيد من التصعيد العسكري. وعلى الرغم من أن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لا تُطبّق دائمًا بالكامل، فإن مثل هذه الآليات تظل الإطار الدولي الأكثر قابلية للتطبيق.

ومع ذلك، فإن إسرائيل غالبًا ما تعمل خارج هذه الأطر، وهناك انطباع بأن القانون الدولي له تأثير محدود على قراراتها، ما يخلق حالة من عدم اليقين حتى في حال التوصل إلى اتفاق.

وإذا تم إبرام الاتفاق، فقد تكون له تداعيات سياسية داخل إسرائيل أيضًا. وبرأيي، قد يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطًا سياسية داخلية إذا نجحت الدبلوماسية.

ومن النقاط المهمة أيضًا أن أحد الأهداف الطويلة الأمد لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل كان تغيير النظام في إيران. لكن النظام الإيراني ليس مجرد حكومة، بل هو قائم على أيديولوجيا. يمكن تغيير الحكومات واستهداف القادة، لكن القضاء على الأيديولوجيا أصعب بكثير.

وهذا، في رأيي، ما قلّل صانعو القرار في الغرب من تقديره. فعلى سبيل المثال، حتى بعد عمليات الاغتيال التي استهدفت قادة سياسيين وعسكريين في إيران، ظل النظام قائمًا. ويمكن ملاحظة ديناميكيات مشابهة في حركات أخرى في المنطقة مثل حماس، حيث جرى اغتيال قياداتها تباعًا، ومع ذلك بقيت بنيتها الأيديولوجية والتنظيمية قائمة. بل إن حماس لا تزال موجودة، بل وتبدأ في التعافي ميدانيًا.

وهذا يعكس حقيقة استراتيجية أوسع: الحركات الأيديولوجية لا يمكن هزيمتها بسهولة بالوسائل العسكرية وحدها. فحتى عند إزالة القيادات، تستمر الهياكل التنظيمية وشبكات الدعم في العمل.

وفي هذا السياق الأوسع، فإن الرسالة الأساسية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة هي أنهما تواجهان واقعًا أيديولوجيًا قائمًا على فكرة المقاومة والصبر الاستراتيجي الطويل، ما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا وصعوبة في الحسم عبر الضغط العسكري وحده.

كيف تفسّر الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراء الحصار البحري الأمريكي على إيران؟ هل هو تكتيك ضغط عسكري، أم أداة دبلوماسية تهدف إلى التأثير في مسار المفاوضات؟

أعتقد أنه يرتبط أكثر بالدعاية الموجهة للجمهور الداخلي في الولايات المتحدة. ويبدو أنه صُمّم لإعطاء انطباع بأن الدبلوماسية القسرية الأمريكية — واستخدام القوة — قد دفعت إيران إلى طاولة المفاوضات.

هذا "الحصار" المزعوم لم يغيّر فعليًا الواقع على الأرض. فالسفن الصينية، على سبيل المثال، واصلت عبورها عبر مضيق هرمز، كما استمرت تجارتها مع إيران. وبالتالي، لم يكن للحصار تأثير عملي كبير.

ومع ذلك، غالبًا ما تضخّم وسائل الإعلام الغربية رواية واشنطن، وتقدّم هذا الانتشار العسكري كدليل على القوة. وبهذا المعنى، فإن الانتشار البحري يُعد إلى حد كبير أداة سياسية وإعلامية، تهدف إلى تقديم دونالد ترامب كقائد قوي.

وبعد انتهاء الحرب، أعتقد أن الحديث عن هذا الحصار سيتلاشى. وقد يتحول الاهتمام بدلًا من ذلك إلى التداعيات الاقتصادية الأوسع للصراع. ومن النتائج المحتملة تزايد استخدام العملات البديلة، لا سيما اليوان الصيني، في التجارة الإقليمية.

وإذا بدأت دول الشرق الأوسط في إجراء معاملات النفط باليوان بدلًا من الدولار الأمريكي، فقد يؤدي ذلك تدريجيًا إلى تقليص الطلب العالمي على الدولار. ونظرًا لأن الاقتصاد الأمريكي مثقل بالفعل بالديون — إذ يتجاوز الدين الوطني 39 تريليون دولار — فإن مثل هذه التطورات قد تسهم في زيادة الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة.

وقد لعبت الأنظمة الملكية في الخليج تاريخيًا دورًا رئيسيًا في دعم النظام المالي العالمي القائم على الدولار. وإذا قامت بتنويع ترتيباتها المالية، فقد تكون لذلك تداعيات طويلة الأمد على الاقتصاد الأمريكي.

وبهذا المعنى، قد تكون إيران قد حققت مكسبًا استراتيجيًا من خلال تسريع النقاشات حول بدائل للتجارة القائمة على الدولار. ورغم أن هذا التحول قد لا يكون ظاهرًا فورًا، إلا أنه قد يحمل آثارًا كبيرة على المدى الطويل.

في سياق آخر، أنهى قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، مؤخرًا زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى طهران ضمن جهود الوساطة التي تبذلها إسلام آباد. هل ترى في هذه الزيارة نقطة تحوّل محتملة في الدور الدبلوماسي لباكستان؟

إن السياق السياسي الداخلي في باكستان مهم. فـرئيس الوزراء السابق عمران خان، الذي لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، يقبع حاليًا في السجن بتهم يصفها أنصاره بأنها ذات دوافع سياسية. كما وُجّهت اتهامات من قِبل أحزاب المعارضة بحدوث تزوير في نتائج الانتخابات، ما حرم حزب خان من تشكيل الحكومة الفيدرالية في مطلع عام 2024.

ونتيجة لذلك، يُنظر إلى الدور السياسي للجيش الباكستاني بانتقاد من قبل شريحة واسعة داخل البلاد. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والأمن القومي، ظل الجيش يلعب دورًا حاسمًا على مرّ السنوات، وهذا ما يحدث أيضًا في هذه الحالة.

في هذا السياق، يبدو أن الجنرال عاصم منير قد لعب دورًا بنّاءً. فبصفته رئيسًا سابقًا للاستخبارات العسكرية ورئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI)، يمتلك خبرة واسعة في التعامل مع القضايا السياسية والدبلوماسية، وقد ساعدته هذه الخبرة في الإسهام بجهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى دور وزارة الخارجية الباكستانية ووزير الخارجية، اللذين عملا إلى جانب القيادة العسكرية. وقد ساهم الطرفان معًا في تضييق الفجوات بين الجانبين.

كما أفادت تقارير بأن القيادة الباكستانية شجّعت إيران على النظر في تقديم تنازلات محدودة ضمن حسابات استراتيجية أوسع. ورغم أن هذه التنازلات قد تبدو كتنازلات على المدى القصير، فإن الحجة المطروحة هي أن إيران قد تحقق مكاسب استراتيجية على المدى الطويل — خاصة إذا ساهمت هذه العملية في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

وبهذا المعنى، قد تمثل زيارة الجنرال عاصم منير إلى طهران بالفعل لحظة مهمة في جهود الوساطة التي تقودها باكستان.

هل تعتقد أن الجنرال عاصم منير أثّر شخصيًا في المفاوضات؟

أعتقد أن الجنرال عاصم منير كان في موقع فريد. وبينما لا يمكنني الجزم بآرائه الشخصية بشأن إسرائيل، فمن المنطقي افتراض أن القيادة الباكستانية تُدرك ديناميكيات المنطقة والسياسات الإسرائيلية، سواء السرّية أو العلنية، تجاه الدول الإسلامية.

وفي هذا السياق الأوسع، يبدو أن الجنرال منير يمتلك وصولًا مباشرًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد أُثيرت مزاعم حول حصول عائلة ترامب على صفقات مربحة في مجالي المعادن والعملات الرقمية من باكستان في الفترة الأخيرة، وهو ما ساعد — بحسب هذه الروايات — في تعزيز العلاقات الشخصية بين منير وترامب.

وبهذه الطريقة، استطاعت باكستان، حيث يلعب الجيش دورًا حاسمًا في اتخاذ القرارات الكبرى، أن تكسب تأثيرًا داخل البيت الأبيض. كما أن العلاقات الشخصية لمنير مع ترامب ساعدت في تخفيف الضغط الأمريكي للإفراج عن عمران خان من السجن.

ويُنظر إلى عمران خان على نطاق واسع باعتباره شخصية توحيدية تخدم القضايا الإسلامية، وهو يعارض ما يُوصف بالمشاريع الهيمنية لـ"إسرائيل الأبارتهايد" في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يبدو أن الجنرال منير تصرّف بحكمة. فقد كان أحد أبرز نقاط الخلاف بين إيران والولايات المتحدة يتمحور حول البرنامج النووي المدني الإيراني. ففي حين طالبت واشنطن في البداية بأن تتخلى إيران تمامًا عن برنامجها النووي، أصرت طهران على الاحتفاظ بقدراتها النووية المدنية.

ويبدو أنه قد تم التوصل إلى أرضية وسط. وتقييمي هو أن إيران ربما وافقت على تعليق بعض جوانب برنامجها النووي لفترة محدودة — ربما نحو 10 سنوات — رغم أن ذلك لا يزال في إطار التقديرات.

وبالتالي، يبدو أن دور باكستان تمثّل في مساعدة الطرفين على إيجاد "مخرج مشرّف". وقد لعبت وزارة الخارجية الباكستانية، إلى جانب وزير الخارجية والدبلوماسيين الكبار، دورًا مهمًا في صياغة بعض عناصر الاتفاق المقترح.

وعلى عكس الوسطاء التقليديين مثل عُمان، قدّمت باكستان مستوى مختلفًا من الانخراط الدبلوماسي والاستراتيجي. ويبدو أن القيادة الباكستانية عملت بنشاط على بلورة أجزاء من الاتفاق المقترح، ونجحت في تقريب وجهات النظر بين الطرفين. ويبقى الخوف الوحيد هو احتمال قيام إسرائيل بخطوة تخريبية لإفشال الاتفاق — وهو تهديد حقيقي.

أخيرًا، هل هناك جانب أساسي في الوضع الإقليمي المتطور أو في المفاوضات الجارية تعتقد أنه يستحق مزيدًا من الاهتمام ولم يتم التطرق إليه؟

أعتقد أن وضعًا استراتيجيًا جديدًا قد نشأ في الشرق الأوسط وفي المنطقة الأوسع. وقد تحتاج إيران إلى تبنّي مقاربة دبلوماسية جديدة.

في السابق، أدت الصراعات في سوريا والعراق واليمن إلى اتهام إيران بتأجيج التوترات الطائفية. وبالنظر إلى البيئة الإقليمية الحالية، ينبغي على إيران أن تأخذ هذه التصورات بعين الاعتبار. فهناك تعاطف متزايد مع إيران في دول مثل باكستان، ويجب على طهران تجنّب أي سلوك أو خطاب قد يعيد إحياء الانقسامات الطائفية بعد انتهاء هذه الحرب.

وقد كانت هناك بعض المحاولات المحدودة لإثارة التوترات الطائفية، لكنها فشلت إلى حد كبير أمام المزاج الشعبي. ومع ذلك، ينبغي على إيران توخي الحذر في الأشهر والسنوات المقبلة.

كما توجد إمكانية لتشكيل تحالف عسكري رباعي يضم باكستان والسعودية وتركيا ومصر. وإذا نشأ مثل هذا التحالف، فقد تنضم إليه إيران مستقبلًا، ما سيمثّل تحولًا كبيرًا في ديناميكيات الأمن الإقليمي.

وقد تستفيد إيران من تقديم نفسها كدولة تتجاوز الانقسامات الطائفية. فالصورة العامة الحالية إيجابية تجاهها، والحفاظ على هذه الصورة سيعزز موقعها الاستراتيجي.

وإذا انضمت إيران لاحقًا إلى مثل هذا الإطار الإقليمي — خصوصًا إلى جانب باكستان التي تمتلك قدرات ردع نووية — فقد يقلّص ذلك بشكل كبير احتمالات أي مواجهة عسكرية مستقبلية ضدها.

وهناك نقطة استراتيجية أوسع، وهي أن الردع النووي أثّر تاريخيًا على الخيارات العسكرية الأمريكية. فعلى سبيل المثال، لم تتعرض دول مثل كوريا الشمالية وباكستان لعدوان عسكري أمريكي مباشر بسبب امتلاكهما قدرات نووية.

وتشير الحقائق الجيو-استراتيجية الصلبة إلى أن على إيران أن تدرس بعناية خياراتها الاستراتيجية طويلة الأمد. فامتلاك قدرات ردع استراتيجية قد يمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من تكرار أي عدوان عليها.

فالدول التي لا تمتلك أسلحة نووية تبقى غالبًا عرضة للتهديدات الخارجية. وعلى سبيل المثال، واجهت ليبيا تدخلًا عسكريًا أمريكيًا بعد تخليها عن برنامجها النووي — وهو ما يصفه كثير من المحللين بحقيقة جيوسياسية قاسية.

وبالمثل، تخلّت أوكرانيا عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة بموجب مذكرة بودابست، لكن الأحداث اللاحقة، خصوصًا بعد الهجوم الروسي في شباط/فبراير 2022، أثارت تساؤلات جدية حول موثوقية هذه الضمانات.

ومن وجهة نظري الشخصية، فإن الدول التي لا تمتلك ردعًا نوويًا ستظل عرضة للتدخلات العسكرية الخارجية، ولذلك يُنظر إلى الردع النووي باعتباره عاملًا حاسمًا في تشكيل الاستقرار الاستراتيجي في عالم تحكمه اعتبارات جيو-استراتيجية صلبة.


المصدر: طهران تايمز - Tehran times

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور