الإثنين 20 نيسان , 2026 06:38

دوافع المواجهة التركية الإسرائيلية... صراع النفوذ يتصاعد في غرب آسيا

نتنياهو وأردوغان

تشهد العلاقة بين تركيا و"إسرائيل" تصاعداً متدرجاً في مستويات التوتر، في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها منطقة غرب آسيا، ولا سيما بعد الغارات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أثار في أنقرة مخاوف عميقة من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تمتد تداعياتها إلى الداخل التركي. فتركيا تنظر منذ سنوات بقلق إلى أي مواجهة عسكرية تستهدف جيرانها، وخصوصاً إيران، معتبرة أن مثل هذه الحروب لا تبقى ضمن حدودها الجغرافية، بل تنتج فوضى إقليمية وتغييرات استراتيجية تمس أمنها القومي بشكل مباشر.

هذا القلق التركي انعكس بوضوح في تصريحات كبار المسؤولين الأتراك، وفي مقدمهم الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، إلى جانب مواقف قوى سياسية مختلفة داخل البرلمان، من بينها رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي. ويكشف هذا التلاقي بين الحكومة والمعارضة القومية، وحتى بعض الشخصيات المستقلة، أن المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى قضية ترتبط بمفهوم الدولة التركية ومصالحها الاستراتيجية.

من منظور أنقرة، باتت "إسرائيل" تنظر إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية قادرة على تعطيل مشاريعها التوسعية في المنطقة. فتركيا، رغم خلافاتها المعقدة مع العديد من الأطراف، حافظت على حضور سياسي وأمني مؤثر في ملفات أساسية، أبرزها دعم القضية الفلسطينية، واحتضان موقف سياسي داعم لحركة حماس، إضافة إلى دورها المتنامي في سوريا بعد التحولات الأخيرة هناك. كما أن أنقرة عارضت أي اندفاعة نحو حرب شاملة ضد إيران، وسعت إلى التهدئة في ملفات لبنان وفلسطين، ما جعلها بنظر صناع القرار الإسرائيليين عائقاً أمام فرض هيمنة أحادية على المنطقة.

وتعتقد تركيا أن نفوذها المتزايد في سوريا الجديدة تحديداً أثار حساسية إسرائيلية واضحة، لأن هذا النفوذ يحد من قدرة تل أبيب على فرض وقائع استراتيجية جديدة تمتد من الجنوب السوري إلى الشمال الشرقي. كما ترى أنقرة أن حضورها العسكري والسياسي في الساحة السورية منحها أوراق ضغط مهمة في مواجهة المشاريع الإسرائيلية، سواء ما يتعلق بخطوط النفوذ أو ترتيبات الأمن الإقليمي. لذلك، لم يعد الصراع بين الطرفين مجرد منافسة على ملفات الطاقة في شرق المتوسط، بل تطور إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة تتصل بشكل النظام الإقليمي المقبل.

في المقابل، تدرك أنقرة أن الولايات المتحدة ما زالت تحتاج إلى تركيا ضمن ترتيبات المنطقة، سواء بسبب موقعها الجغرافي، أو عضويتها في حلف شمال الأطلسي، أو قدرتها على لعب أدوار متعددة بين الشرق والغرب. وهذه الحاجة الأميركية تمنح تركيا هامش حركة لا ترغب "إسرائيل" في استمراره، إذ تسعى تل أبيب إلى احتكار موقع الحليف الأوثق لواشنطن في المنطقة، والعمل على تقليص وزن أنقرة في الحسابات الأميركية. ومن هنا يمكن فهم الضغوط الإسرائيلية المستمرة لتفكيك أو إضعاف الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وأنقرة.

ومن الأسباب الإضافية للتوتر، أن "إسرائيل" وبعد اعتقادها أنها أضعفت خصومها التقليديين في السنوات الأخيرة، من إيران إلى سوريا السابقة مروراً بفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، باتت بحاجة إلى "خصم جديد" يبرر استمرار خطاب التعبئة والحروب المفتوحة داخل حكومتها، ولا سيما لدى التيار الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. في هذا السياق، تُطرح تركيا بوصفها التهديد البديل، القادر على تعبئة الداخل الإسرائيلي سياسياً وأمنياً.

كذلك، يثير النموذج التركي المستقل داخل حلف الناتو قلقاً إسرائيلياً متزايداً. فأنقرة، رغم عضويتها في الحلف، لا تتبنى دائماً المواقف الغربية التقليدية، بل تسعى إلى سياسة خارجية أكثر استقلالاً، تجمع بين عضوية الحلف والانفتاح على الشرق. ويُخشى في تل أبيب أن يشجع هذا النموذج دولاً أوروبية أخرى على إعادة النظر في دعمها العسكري والسياسي غير المشروط لـ"إسرائيل"، خصوصاً مع تصاعد أصوات ناقدة في دول مثل إسبانيا وإيطاليا.

إلى جانب ذلك، يشكل الحضور الإعلامي التركي عاملاً مؤثراً في المعادلة. فوسائل الإعلام التركية، الرسمية والخاصة، تمتلك قدرة واسعة على الوصول إلى الجمهور الأوروبي والغربي، وتقديم روايات مغايرة للرواية الإسرائيلية بشأن فلسطين ولبنان وإيران. وهذا التأثير الإعلامي لا تواجهه عوائق قانونية أو سياسية كبيرة، ما يجعله مصدر إزعاج إضافي لتل أبيب التي اعتادت تفوقاً نسبياً في السردية الغربية.

ورغم هذا التصعيد، فإن احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين تركيا و"إسرائيل" تبقى محدودة في المدى المنظور، بسبب وجود العامل الأميركي الذي يلعب دور الكابح والمنظم للعلاقة بين الطرفين، فضلاً عن إدراك كل منهما كلفة أي صدام مفتوح. إلا أن غياب الحرب المباشرة لا يعني غياب الصراع، إذ تبقى ساحات الاشتباك غير المباشر مفتوحة، من سوريا إلى بعض مناطق أفريقيا، وربما إلى فضاءات النفوذ المرتبطة بما يعرف بالعالم التركي. لذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التنافس الحاد، الذي قد يأخذ أشكالاً استخبارية وسياسية واقتصادية أكثر منه عسكرية مباشرة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور