الأربعاء 22 نيسان , 2026 04:58

حرس الثورة الإسلامية: النشأة، البنية، والدور الاستراتيجي في مواجهة التحديات

حرس الثورة الإسلامية

يعدّ حرس الثورة الإسلامية أحد فروع القوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية في إيران، لكنه وفق رؤية مفجّر الثورة الإسلامية ودستور الجمهورية الإسلامية، وبالفعل والتأثير والمسار التاريخي، هو القوة العسكرية والأمنية العقائدية المركزية، لحماية نظام الجمهورية الإسلامية وإنجازات الثورة والتصدّي للنظام الإستكباري العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ويتولى الكيان المؤقت وكالته في منطقتي غربي آسيا وما يعرف بمنطقة الشرق الأوسط.

فبينما يتولى جيش الجمهورية الإسلامية الدفاع عن حدود البلاد والحفاظ على النظام الداخلي، فإن حرس الثورة الإسلامية، وفقًا للدستور، مُكلَّف بحماية النظام السياسي للجمهورية الإسلامية. ويلتزم بنهج ولاية الفقيه، ويلعب دوراً استراتيجياً في تعزيز القوة العسكرية والأمنية للجمهورية الإسلامية إقليمياً وحتى دولياً، من خلال دعم حركات ودول التحرّر العالمي، مع التركيز على توافق هذه المهام مع مبادئ وقيم الثورة الإسلامية.

وقد تأسس حرس الثورة بأمر من قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني، قائد الجمهورية الإسلامية، في 22 نيسان/أبريل 1979، بهدف تنظيم وتوحيد المنظمات العسكرية الموالية للثورة الإسلامية.

ويعدّ العام 1982، هو بداية النشاط الخارجي لحرس الثورة الإسلامية، من خلال دعم نشوء المقاومة الإسلامية في لبنان للتصدي للإجتياح والاحتلال الإسرائيلي للبلاد. وكانت هذه البداية، هي المرحلة التأسيسية الفعلية لما عُرف لاحقاً باسم قوة القدس (الذراع العملياتية الخارجية).

وفي العام 1985، وافق الإمام الخميني على إنشاء القوات البحرية والجوية-الفضائية التابعة للحرس. وبعد وفاة الإمام الخميني عام 1989، وتولي الإمام السيد علي الخامنئي مهام قيادة الثورة الإسلامية، تعزز موقع حرس الإسلامية ونفوذه بشكل ملحوظ.

وفي العام 2026، الذي شهد أخطر عدوان صهيوأمريكي على البلاد، من خلال اغتيال شهيد الأمة الإسلامية الإمام الخامنئي في 28 شباط/فبراير، كان حرس الثورة الإسلامية بمثابة الدرع العسكري والأمني والسياسي لحماية الجمهورية الإسلامية، عبر تصديّه البطولي لأعتى قوتين عسكريتين في العام: القوات الأمريكية والإسرائيلية. وهو ما خشيت من فعله وعجزت عن القيام به، الكثير من دول العالم خلال قرن من الزمن تقريباً.

وبعد تولى الإمام السيد محتبى الخامنئي زمام قيادة الثورة الإسلامية، يعدّ حرس الثورة البنيان العسكري والأمني والسياسي والتنفيذي المركزي، لمواجهة التحديات المفصلية، والتي تبشّر بتجدّد الثورة الإسلامية بمرحلة تاريخية ثالثة.

التاريخ

في الأيام الأولى التي أعقبت ثورة شباط/فبراير 1979، سعت الحكومة المؤقتة—بسبب انهيار الأجهزة الأمنية والعسكرية وفقدانها أدوات فرض السيطرة—إلى إنشاء قوة مسلحة باسم "الحرس الوطني". ولهذا الغرض، حصل حسن لاهوتي على أمر من روح الله الخميني لتشكيل هذه القوة. وباقتراح من محمد توسلي، تم اختيار اسم "حرس الثورة الإسلامية" لها. وقد شدّد أمر الخميني على أن يعمل الحرس تحت إشراف الحكومة المؤقتة.

وكان الهدف من إنشاء هذا الكيان هو السيطرة على المدن والقرى لمنع التحريض، والتصدي للهجمات على المؤسسات الحكومية والوطنية والمراكز العامة والسفارات، ومنع تسلل معارضي الجمهورية الإسلامية إلى صفوف الشعب، وتنفيذ أوامر الحكومة المؤقتة وأحكام المحاكم الإسلامية. وكلّفت الحكومة المؤقتة إبراهيم يزدي، بصفته نائبًا لرئيس الوزراء لشؤون الثورة، بالتعاون مع حسن لاهوتي لتأسيس هذه القوة. وقد أُنجز النظام الداخلي للحرس في أواخر شباط/فبراير 1979 في "باغشاه"، بالتزامن مع جمع الأسلحة التي انتشرت خلال أيام الثورة.

وفي 28 شباط/فبراير 1979، وخلال اجتماع في معسكر عباس آباد بحضور عدد من الشخصيات، تم اختيار علي دانش منفرد قائدًا للحرس، فيما تولّى محسن رفيق دوست مسؤولية اللوجستيات، وعلي محمد بشارتي مسؤولية الاستخبارات، ومرتضى الویري مسؤولية العلاقات العامة. واتخذوا من مبنى جهاز استخبارات الشاه "السافاك" في شارع سلطنت آباد (شارع باسداران حاليًا) مقرًا رئيسيًا لهم، كما باشروا—بمساعدة بعض العناصر، بمن فيهم أفراد من القوات الخاصة—تجنيد المتطوعين وتدريبهم سياسيًا وعقائديًا وعسكريًا في مواقع مختلفة.

وبالتزامن مع تأسيس الحرس، ظهرت مجموعات مسلحة موازية بشكل عفوي لحماية الثورة، من بينها:

_"حرس الثورة" في معسكر جمشيدية بقيادة عباس آغازماني وبدعم من السيد موسوي الأردبيلي.

_"حرس الجامعات" (باسا) بقيادة الشهيد الشيخ محمد منتظري وبدعم من الشهيد السيد محمد بهشتي، وكان يضم عناصر تلقوا تدريباً على تكتيكات "الحرب غير المتماثلة" عند المقاومة الفلسطينية في لبنان.

_القوات المسلحة التابعة لمنظمة "مجاهدي الثورة الإسلامية" بقيادة الشهيد القائد محمد بروجردي وبدعم من الشهيد الشيخ مرتضى مطهري.

ولكي تتوحد جهود هذه القوى، تم أخذ القرار بتوحيدها ودمجها ضمن إطار واحد هو "حرس الثورة الإسلامية". وفي 7 نيسان/أبريل 1979، تم عملية الدمج، وتشكّل مجلس من 12 عضوًا.

اختار هذا المجلس جواد منصوري قائدًا للحرس، ثم تولى عباس آغازماني (أبو شريف) لاحقًا قيادة الحرس وقيادة عملياته. وبعد فترة قصيرة من الدمج، توجّه عدد من القادة إلى الإمام الخميني في قم مطالبين باستقلال الحرس عن الحكومة المؤقتة. فأصدر الإمام الخميني أمرًا بتأسيس الحرس تحت إشراف مجلس الثورة بدلًا من الحكومة.

وبناءً على ذلك، أعدّ المجلس نظامًا داخليًا من 9 مواد أقرّه مجلس الثورة، وتم تشكيل مجلس قيادة الحرس، الذي تلقى أعضاؤه تعيينهم رسميًا من المجلس. وفي 2 أيار/مايو 1979، أعلن رسميًا عن تأسيس حرس الثورة الإسلامية.

ونظرًا لأن المهمة الأساسية للحرس كانت حماية الثورة ومنجزاتها، ركّز في بداياته على تشكيل وحدات عملياتية (فرق، سرايا، كتائب) مخصّصة للعمليات داخل المدن وتعزيز الأمن الداخلي. وقد نظّم الحرس نفسه في كل مدينة ومحافظة وفقًا لعدد عناصره وطبيعة التحديات الأمنية فيها.

واعتبارًا من 18 شباط/فبراير 1991، بدأ منح الرتب العسكرية رسميًا في حرس الثورة الإسلامية.

القادة

بعد جواد منصوري وعباس آغازماني، تولّى عباس دوزدوزاني لفترة مهمة الإشراف على الحرس. ثم جاء مرتضى رضائي، الذي عُيّن في تموز/يوليو 1980 قائدًا عامًا للحرس الثوري الإسلامي بقرار من أبو الحسن بني صدر وبموافقة الإمام الخميني. بعد ذلك، في أيلول/سبتمبر 1981، عُيّن محسن رضائي، وكان يبلغ 28 عامًا، في هذا المنصب بقرار من الإمام الخميني.

استمر محسن رضائي في قيادة الحرس لمدة 18 عامًا، قبل أن يستقيل عام 1997، ليُعيَّن نائبه يحيى رحيم صفوي (المعروف برحيم صفوي) خلفًا له بقرار من الإمام السيد علي خامنئي. وفي 1 أيلول/سبتمبر 2007، انتهت فترة قيادته التي استمرت 10 سنوات، فاختار الإمام الخامنئي اللواء محمد علي جعفري، القائد السابق للقوات البرية في الحرس، قائدًا جديدًا للحرس، مع ترقيته من رتبة عميد إلى لواء. وبعد اللواء محمد علي جعفري، تم اختيار الشهيد الفريق حسين سلامي في مطلع العام 2019 قائدًا للحرس. وبعد استشهاد الفريق سلامي خلال بداية حرب حزيران/يونيو 2025، تم تعيين الفريق محمد باكبور قائداً عاماً للحرس. وفي حرب رمضان 2026، وبعد استشهاد الفريق باكبور، انتقلت القيادة بالوكالة الى نائبه اللواء أحمد وحيدي.

_تسلسل القادة:

أ)جواد منصوري.

ب)عباس آغازماني.

ج)عباس دوزدوزاني.

د)مرتضى رضائي.

ه)محسن رضائي (1981 – 1997).

و)يحيى رحيم صفوي(1997 – 2007).

ز)محمد علي جعفري(2007 – 2019).

ح)حسين سلامي(2019-2025).

ط)محمد باكبور (2025 – آذار/مارس 2026) .

ي)أحمد وحيدي (آذار/مارس 2026 – حتى الآن).

الهيكل التنظيمي

يتكوّن هيكل القيادة في الحرس من هرم يتصدره القائد العام. ويليه النائب، ثم رئيس الأركان المشتركة، الذي يُعد موقعًا محوريًا يربط مباشرةً بين القائد العام من جهة، وقادة الأفرع الخمسة من جهة أخرى. ويتم تعيين القائد العام مباشرةً من قبل قائد الثورة الإسلامية، بينما يُعيَّن النائب ورئيس الأركان وقادة الأفرع بناءً على اقتراح القائد العام وبموافقة وتعيين قائد الثورة.

يتكوّن الحرس من 5 أفرع رئيسية، لكل منها مهام مختلفة:

1)القوات البرية.

2)القوات الجوفضائية.

3)القوات البحرية.

4)قوة القدس.

5)منظمة التعبئة (البسيج).

كما يضم الحرس هيئة الأركان المشتركة، التي تتولى مسؤولية التنسيق والقيادة بين هذه الأفرع الخمسة.

إلى جانب ذلك، توجد مؤسسات أخرى داخل الحرس:

أ)مكتب ممثل الولي الفقيه: وهو كيان مستقل تمامًا عن هيكل القيادة، ويتبع مباشرةً لقائد الثورة الإسلامية.

ب)منظمة حماية المعلومات: وهي كيان شبه مستقل عن القيادة، حيث يُعيَّن رئيسها من قبل قائد الثورة بناءً على ترشيح قائد الحرس، وترتبط مباشرةً بمكتب حماية المعلومات في مكتب قائد الثورة وتقدم تقاريرها إليه.

ج)منظمة الاستخبارات: وهي جهاز الاستخبارات التابع للحرس (اختصارًا: "ساس") التي شُكّلت بعد الانتخابات الرئاسية للعام 2009 من خلال دمج معاونية الاستخبارات في الحرس مع عدة وحدات استخبارية أخرى.

وفي 18 أيار/مايو 2019، بقرار من الفريق حسين سلامي (قائد الحرس الثوري آنذاك)، تم دمج منظمة استخبارات الحرس مع معاونية الاستخبارات الاستراتيجية، وأُعلن الشيخ حسين طائب مسؤولًا عن استخبارات الحرس.

في 15 حزيران/يونيو 2025، خلال العدوان الإسرائيلي، هاجم سلاح الجو الإسرائيلي مبنى مقر استخبارات الحرس في طهران، فاستشهد اللواء محمد كاظمي (رئيس المنظمة) ونائبه اللواء حسن محقق. وخلال العدوان الصهيوأمريكي (حرب رمضان 2026)، استشهد

قائد المنظمة اللواء مجيد خادمي، في 6 نيسان/أبريل 2026 بعملية اغتيال جوية.

د)قيادة الحماية: وهي المؤسسة التابعة لقيادة الحرس والتي تتولى تنفيذ المهام الأمنية والحماية، للشخصيات والمواقع الحساسة، إضافة إلى تأمين الرحلات الجوية.

وقد تأسست هذه القيادة بعد انتخابات عام 2009، في إطار إعادة هيكلة الحرس، وذلك من خلال دمج وحدات: حماية الطيران، وحماية ولي الأمر، وحماية أنصار المهدي.

ه)قيادة الأمن السيبراني: كانت تُعرف سابقًا باسم "مركز رصد الجرائم المنظمة"—إحدى الوحدات التابعة لمنظمة استخبارات الحرس الثوري، وقد أُنشئت عام 2007.

ويهدف هذا المركز إلى مواجهة الأنشطة المنظمة الداخلية والدولية، والتصدي للجرائم الالكترونية، بما في ذلك مكافحة الأعمال المرتبطة بالإرهاب، والتجسس الإلكتروني، وغسل الأموال، والهجمات الثقافية، والتصدي لما يُعتبر إساءة للمقدسات الإسلامية وقيم الثورة.

ويشار الى أن هنالك العديد من المنظمات الهندسية والصناعية العسكرية (خاصةً الصواريخ والطائرات المسيرة)، فضلاً عن مؤسسات إعلامية تابعة لحرس الثورة، تتولى العديد من المهام الرافدة لمسار المواجهة مع معسكر الاستكبار، في مجالات عديدة مثل الاقتدار الذاتي والحرب الناعمة.

مقرّات القيادة:

_مقر كربلاء – الجنوب الغربي:
"
ولي العصر" خوزستان، "حضرة أبو الفضل" لرستان، و"فتح" كهغيلويه وبوير أحمد.

_مقر المدينة:
"
الإمام السجاد" هرمزغان، "فجر" فارس، و"الإمام الصادق" بوشهر.

_مقر القدس – الجنوب الشرقي:
"
ثار الله" كرمان و"سلمان" سيستان وبلوشستان.

_مقر سيد الشهداء:
"
صاحب الزمان" أصفهان، "قمر بني هاشم" جهارمحال وبختياري، و"الغدير" يزد.

_مقر الغرب - النجف الأشرف:
"
النبي الأكرم" كرمانشاه، "أنصار الحسين" همدان، و"أمير المؤمنين" إيلام.

_مقر الشمال الغربي – حمزة سيد الشهداء:
"
الشهداء" أذربيجان الغربية، و"بيت المقدس" كردستان.

_مقر عاشوراء:
"
عاشوراء" أذربيجان الشرقية، "أنصار المهدي" زنجان، و"حضرة العباس" أردبيل.

_مقر الشمال الشرقي – ثامن الأئمة:
"
الإمام الرضا" خراسان الرضوية، "جواد الأئمة" خراسان الشمالية، و"أنصار الرضا" خراسان الجنوبية.

_مقر الغدير – الشمال:
"
كربلاء" مازندران، "القدس" جيلان، و"نينوى" كلستان.

_مقر صاحب الزمان:
"
روح الله" مركزي، "علي بن أبي طالب" قم، "صاحب الأمر" قزوين، و"قائم آل محمد" سمنان.

_مقر ثار الله – طهران:
"
محمد رسول الله" طهران الكبرى، "سيد الشهداء" لمحافظات طهران، و"الإمام الحسن" البرز.

التعليم العسكري

يتبع لحرس الثورة الإسلامية عدّة جامعات ومراكز تدريب:

_جامعة القيادة والأركان للحرس (دافوس) تأسست عام 1992ومقرها في العاصمة طهران.

_جامعة الإمام الحسين (ع) للضباط تأسست عام 1986ومقرها في العاصمة طهران.

_جامعة علوم وفنون القوات البرية "أمير المؤمنين"تأسست عام 1986ومقرها في أصفهان.

_جامعة علوم وفنون القوات البحرية "الإمام الخامنئي" - تأسست عام 2013ومقرها في رشت.

_جامعة علوم وفنون الجو-فضاء "عاشوراء"- تأسست عام 2004ومقرها في العاصمة طهران.

 _جامعة العلوم الطبية "بقية الله"- تأسست عام 2004ومقرها في العاصمة طهران.

_الكلية العقائدية السياسية "الشهيد محلاتي" – 1982 – مدينة قم المقدسة.

_كلية علوم وفنون المدرعات – 1986 – شيراز.

البرنامج الصاروخي الإيراني

يعدّ حرس الثورة الإسلامية الجهة العسكرية الأساسية المسؤولة عن البرنامج الصاروخي في الجمهورية الإسلامية، من عمليات التصميم والتصنيع والاختبار، وصولاً الى مرحلة الإنتاج والاستخدام.

ويشمل هذا البرنامج عدة مجالات، منها الصواريخ الباليستية، وأنظمة الدفاع الجوي، وصواريخ كروز البحرية، وصواريخ جو–أرض وجو–جو، إضافة إلى الصواريخ الفضائية وحاملات الأقمار الصناعية وصولاً الى الصواريخ فرط الصوتية. ويُصنَّف البرنامج الصاروخي الإيراني، ضمن البرامج المتقدمة عالميًا في مجال تكنولوجيا الصواريخ، كما تمتلك إيران أكبر مخزون صاروخي في منطقة الشرق الأوسط (غربي آسيا).

وأول صاروخ محلي الصنع في إيران كان يُعرف باسم "مشک" أو "إيران 130"، وتم تطويره عام 1988، بمدى 130 كيلومترًا، ونجح في الاختبارات حتى مدى 160 كيلومترًا، واستخدم فعليًا في نفس العام ضد العراق. لاحقًا، طوّرت إيران صواريخ مثل "زلزال" و"فاتح 110" ثم عائلة "شهاب".

وقد أحرزت إيران تقدمًا في مجالات متعددة مثل تحويل الوقود من السائل إلى الصلب، وزيادة مدى الصواريخ، وتحسين أنظمة التوجيه، وتطوير أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي، وتصميم صواريخ كروز متعددة المهام وصواريخ فضائية وصولاًً الى تصنيع الصواريخ فرط الصوتية.

وقد تم اختبار البرنامج الصاروخي الإيراني عمليًا خلال فترات عديدة أهمها خلال عمليات الوعد الصادق 1،2،3،4. وأثبتت هذه الاختبارات مدى قوة وقدرات الجمهورية الإسلامية، إذ استطاعت الغالبية العظمى من الصواريخ التي تم إطلاقها، من تجاوز 7 طبقات من منظومات الاعتراض الصاروخي التابعة لأمريكا ولإسرائيل والدول المتحالفة معهما، ووصلت الصواريخ إلى أهدافها وألحقت أضرارًا كبيرة بالمواقع المستهدفة داخل فلسطين المحتلة وفي القواعد والمصالح الأمريكية المتواجدة في المنطقة.

النشاط الاقتصادي

وفقًا للمادة العاشرة من النظام الداخلي للحرس، فإن من مهام حرس الثورة الإسلامية المشاركة في عمليات الإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية، وتقديم خدمات تعليمية وإنتاجية وتنموية بطلب من الحكومة، بشرط عدم التأثير على جاهزيته القتالية.

لذلك ينشط الحرس عبر مقر خاتم الأنبياء للإعمار في قطاعات متعددة، منها النفط والغاز، وبناء الطرق والسدود والأنفاق، والزراعة، والاتصالات (كأحد كبار المساهمين في شركة الاتصالات الإيرانية)، والبناء، وحتى بعض الخدمات الطبية مثل الجراحات البسيطة بالليزر. كما يمتلك حصة تبلغ 45% في شركة "بهمن" لإنتاج سيارات "مازدا". ويمتلك قدرات بشرية وتجهيزات وخبرة تخطيطية كبيرة.

ويشار هنا الى أن الحرس عندما دخل هذا المجال فهو بطلب وإلحاح من الحكومات. فهو لا يمارس نشاطًا اقتصاديًا ربحيًا، بل تتركز أعماله على إزالة الحرمان، وإعادة الإعمار، ومواجهة الضغوط الاقتصادية الخارجية. لذلك يتم إسناد المشاريع الصعبة الى مقر خاتم الأنبياء لإعادة الإعمار التابع له.

العداء الأمريكي والإسرائيلي للحرس منذ البدايات

منذ تأسيسه عقب الثورة الإسلامية، برزت ملامح عداء واضح من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ضد الحرس، سرعان ما انخرطت فيه إسرائيل، باعتبار هذا التشكيل العسكري-العقائدي تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاستراتيجية في المنطقة. ولم يكن هذا العداء مجرد موقف سياسي، بل تطور إلى مسار متكامل من الضغوط متعددة الأبعاد، استهدفت إضعاف الحرس وتقويض قدراته.

ففي المرحلة الأولى، تمثّل هذا العداء في فرض حصار تكنولوجي صارم، هدفه حرمان إيران—وبخاصة مؤسساتها العسكرية—من الوصول إلى الأسلحة بكافة أنواعها حتى البسيطة منها (كالأسلاك الشائكة والذخائر والقنابل اليدوية)، وصولاً الى التقنيات المتقدمة، خصوصًا في مجالات الصواريخ والاتصالات والأنظمة الدفاعية. وقد ترافق ذلك مع ضغوط اقتصادية متزايدة، تُرجمت لاحقًا في منظومة واسعة من العقوبات، قادتها وزارة الخزانة الأمريكية، واستهدفت أفرادًا وكيانات مرتبطة بالحرس، بما في ذلك شركاته ومؤسساته الهندسية.

ومع تصاعد الدور الإقليمي للحرس، لا سيما عبر قوة القدس الداعمة لحركات وقوى ودول جبهة المقاومة، انتقل العداء إلى مرحلة أكثر حدة، تمثلت في عمليات أمنية واستخبارية معقدة. وقد شملت هذه العمليات استهداف برامج حساسة، مثل البرنامج النووي الإيراني، عبر هجمات سيبرانية وعمليات تخريب، بالإضافة إلى اغتيال عدد من العلماء الإيرانيين المتخصصين في المجالات النووية والعسكرية.

وبلغ هذا المسار ذروته مع اغتيال الشهيد الفريق الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس ورفاقهما في كانون الثاني/يناير 2020، في عملية نفذتها القوات الأمريكية قرب مطار بغداد، وهو ما عكس انتقال المواجهة إلى مستوى غير مسبوق من الاستهداف المباشر للقيادات العليا. كما استُكملت هذه السياسة بعمليات اغتيال واستهداف طالت شخصيات علمية وأمنية أخرى، في إطار ما يُوصف بحرب "الظل".

الخلاصة

في ضوء هذا المسار التاريخي الممتدّ لأكثر من 47 عاماً، يتبيّن أن حرس الثورة الإسلامية ليس مجرد تشكيل عسكري تقليدي، بل ركيزة أساسية في بنية الجمهورية والثورة الإسلامية وأحد أبرز أدواتها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فعلى امتداد عقود من الصراع والضغوط، استطاع الحرس أن يطوّر قدراته العسكرية والأمنية والتكنولوجية، وأن يرسّخ حضوره كقوة فاعلة ذات تأثير يتجاوز الحدود الجغرافية لإيران، ليصل الى كل جبهات التحرّر العالمي.

ورغم تعدد أشكال العداء والضغوط، من العقوبات والحصار إلى العمليات الأمنية والاغتيالات، فإن هذه التحديات أسهمت في تعزيز تماسكه الداخلي وتسريع وتيرة اعتماده على القدرات الذاتية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور