يقدّم كتاب المتاهة اللبنانية لرؤوفين أرليخ قراءة معمّقة للعلاقة التي نسجتها الحركة الصهيونية ثم دولة الاحتلال مع لبنان منذ أواخر العهد العثماني وحتى عام 1958، وهو لا يكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل يحاول كشف الطريقة التي نظر بها العقل الإسرائيلي إلى لبنان باعتباره ساحة ذات أهمية استثنائية في المشرق العربي. فلبنان، وفق ما يعرضه الكتاب، لم يكن مجرّد دولة مجاورة لفلسطين المحتلة، بل مساحة جغرافية وسياسية واجتماعية اعتُبرت قابلة للتأثير والاختراق، وفي الوقت نفسه شديدة التعقيد وعسيرة الفهم، وهو ما يفسّر عنوان الكتاب: المتاهة اللبنانية.
ينطلق المؤلف من المرحلة المبكرة التي سبقت قيام دولة الاحتلال، حيث بدأت النخب الصهيونية تتابع الواقع اللبناني باهتمام متزايد، انطلاقاً من موقع لبنان الجغرافي الملاصق لفلسطين، ومن كونه منفذاً بحرياً مهماً، إضافة إلى تركيبته الطائفية المتعددة التي رأت فيها تلك النخب فرصة لبناء علاقات مع جماعات يمكن أن تتقاطع مصالحها مع المشروع الصهيوني. ومنذ ذلك الوقت، بدأ التفكير الإسرائيلي المبكر في كيفية الاستفادة من التباينات الداخلية اللبنانية لإيجاد موطئ قدم سياسي أو اقتصادي داخل البلاد.
ومع قيام الانتداب الفرنسي على لبنان، برزت في نظر الحركة الصهيونية معادلات جديدة. فقد أدى إنشاء "لبنان الكبير" إلى نشوء كيان سياسي مستقل نسبياً عن محيطه السوري، ما جعل بعض الدوائر الصهيونية تعتبره قابلاً لتطوير علاقات خاصة معه. ويعرض الكتاب محاولات متكررة لإقامة صلات مع شخصيات سياسية واقتصادية لبنانية، ولا سيما داخل الأوساط التي كانت تخشى صعود القومية العربية أو النفوذ السوري، كما يوضح كيف تابعت المؤسسات الصهيونية بدقة التوازنات بين الموارنة والمسلمين والدروز والشيعة، وعدّتها عاملاً حاسماً في رسم مستقبل لبنان.
ومن أبرز الأفكار التي يتناولها الكتاب ما يُعرف بسياسة حلف الأقليات، وهي الفكرة التي قامت على محاولة بناء شبكة تفاهمات بين "إسرائيل" وبعض الأقليات القومية أو الدينية في المنطقة في مواجهة المحيط العربي الواسع. وفي هذا السياق، بدا لبنان بالنسبة لبعض المخططين الإسرائيليين ساحة مثالية لتجريب هذا التصور، بسبب تركيبته الطائفية المعقدة ووجود قوى سياسية متباينة الاتجاهات والمصالح. إلا أن الكتاب يوضح أن هذه الرؤية بقيت تصطدم دائماً بالواقع اللبناني المتحرك، حيث لم يكن ممكناً تثبيت تحالفات دائمة أو مضمونة.
كما يسلّط المؤلف الضوء على شبكة من الاتصالات السرية وغير المعلنة التي جرت بين مسؤولين صهاينة وشخصيات لبنانية في مراحل مختلفة، سواء عبر بيروت أو باريس أو عواصم أخرى. بعض هذه العلاقات اتخذ طابعاً اقتصادياً وتجاريّاً، وبعضها الآخر حمل أبعاداً استخبارية وسياسية، وكان الهدف منها استكشاف إمكانات التعاون أو التأثير في القرار اللبناني الداخلي. ويكشف الكتاب أن هذه الاتصالات لم تكن هامشية، بل كانت جزءاً من رؤية إسرائيلية تعتبر لبنان ساحة يمكن الاستثمار فيها على المدى الطويل.
وعند حرب عام 1948، يوضح الكتاب أن "إسرائيل" نظرت إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها أقل خطورة عسكرياً من الجبهات المصرية أو الأردنية أو السورية، لكنها بقيت ذات أهمية استراتيجية بسبب الحدود الشمالية واحتمال تحول لبنان إلى قاعدة دعم للفلسطينيين أو للجيوش العربية. لذلك سعت "إسرائيل" منذ السنوات الأولى بعد قيامها إلى ضمان هدوء تلك الجبهة، بالتوازي مع استمرار محاولات الاختراق السياسي داخل لبنان.
وفي مرحلة ما بعد عام 1949، يرصد المؤلف كيف تبلورت السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان على ثلاثة محاور مترابطة: أولها تأمين الحدود الشمالية ومنع أي نشاط مقاوم أو فدائي ينطلق من الأراضي اللبنانية، وثانيها تطوير العلاقات مع شخصيات نافذة يمكن أن تؤثر في القرار الداخلي، وثالثها تشجيع النزعات التي تدفع لبنان إلى الابتعاد عن محيطه العربي وربطه بمشاريع إقليمية بديلة. ويظهر من خلال هذا العرض أن "إسرائيل" كانت تنظر إلى لبنان بوصفه دولة يمكن إعادة تشكيل خياراتها السياسية إذا توفرت الظروف المناسبة.
ويصل الكتاب إلى محطة مفصلية عند أزمة عام 1958 اللبنانية، حين انفجر الصراع الداخلي بين معسكرات متنافسة على خلفية الصراع الإقليمي بين المد القومي العربي والمحاور الغربية. في تلك اللحظة، تابعت "إسرائيل" التطورات باهتمام بالغ، ورأت في الأزمة فرصة محتملة لإعادة رسم موقع لبنان السياسي، لكنها اكتشفت مجدداً أن التعقيد اللبناني أكبر من أي مخطط خارجي، وأن توازناته الداخلية لا تسمح بسهولة بفرض مشروع ثابت أو دائم.
وفي خلاصته العامة، يبيّن الكتاب أن "إسرائيل" لم تتعامل مع لبنان يوماً كجار عادي، بل كبلد يحمل فرصاً استراتيجية ومخاطر في آن واحد. فهو مساحة يمكن النفاذ منها إلى المشرق العربي، وساحة يمكن استغلال انقساماتها، لكنه أيضاً مجتمع سريع التحول، يصعب الإمساك به أو ضمان اتجاهاته السياسية. ومن هنا تبدو "المتاهة اللبنانية" وصفاً دقيقاً لعلاقة قامت على الطموح الإسرائيلي المستمر، يقابله عجز دائم عن فهم لبنان والسيطرة على مساره.
لتحميل الكتاب من هنا
الكاتب: رؤوفين أرليخ