في لحظة يفترض أن تكون فيها المؤسسات الأميركية في أعلى درجات الجهوزية، يبدو أن الكونغرس يختار موقع المتفرّج على حرب خارجية تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران باسمه. فبعد أسابيع من انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة مع إيران، لا جلسات استماع علنية، ولا نقاش جدي حول الأهداف، ولا حتى وضوح في الاستراتيجية. هذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بالإهمال أو التأخير البيروقراطي، بل ينم عن أزمة عميقة داخل النظام السياسي الأميركي، تتعلق بطبيعة الانقسام الداخلي وحدود القدرة على إدارة الحروب.
من الناحية الشكلية، يمتلك الكونغرس أدوات واضحة للإشراف على الحروب، أبرزها قانون صلاحيات الحرب الذي يفرض على الرئيس تبرير أي عمل عسكري خلال مهلة محددة. لكن الواقع يظهر أن هذه الأدوات تُفرّغ من مضمونها عندما تتقاطع الحسابات الحزبية مع رهانات السلطة. فالجمهوريون، الذين يسيطرون على مفاصل القرار التشريعي، يترددون في فتح مواجهة سياسية مع إدارة ينتمون إليها، بينما يعجز الديمقراطيون عن فرض رقابة فعلية تتجاوز حدود الاعتراض الإعلامي. وهذا ما ينتج عنه شلل في المؤسسات.
لكن الشلل هذا ليس محايدًا. إنه يخدم، بشكل مباشر، استمرار الحرب دون مساءلة حقيقية. فكلما غابت الشفافية، تراجعت قدرة الرأي العام على فهم ما يجري، وازدادت هامشية النقاش الديمقراطي. وهذا ما يفسّر الاكتفاء بجلسات مغلقة “غير كافية” بشهادة عدد من النواب أنفسهم، في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول كلفة الحرب وأهدافها ومآلاتها. الأخطر من ذلك أن بعض الأصوات داخل الكونغرس بدأت تشكك أصلًا بجدوى عقد جلسات علنية، معتبرة أنها مجرد منصة “للاستعراض السياسي”، وهو طرح يعكس تراجعًا خطيرًا في مفهوم الرقابة نفسه.
الانقسام داخل المؤسسة الأميركية لا يقتصر على البعد الحزبي، بل يمتد إلى تقييم جوهر الحرب. فهناك من يرى أن المواجهة مع إيران "ضرورة استراتيجية لضبط النفوذ"، في مقابل أصوات أخرى تعتبر أن الإدارة “تتخبط” دون رؤية واضحة، وتدفع البلاد نحو مستنقع جديد شبيه بتجارب سابقة. هذا التباين هو ما يعمّق حالة الضبابية ويزيد من هشاشة القرار السياسي.
اقتصاديًا، بدأت تداعيات الحرب تفرض نفسها بقوة. فارتفاع أسعار الطاقة مثلا نتيجة إغلاق مضيق هرمز والذي يعتبر مؤشر على حجم الارتباط بين السياسات العسكرية التي تتخذها أميركا واستقرارها الداخلي. ومع اقتراب طلب تمويل إضافي بمليارات الدولارات، قد يجد الكونغرس نفسه أمام اختبار حقيقي؛ إما الاستمرار في سياسة التفويض الضمني، أو الاضطرار إلى مواجهة أسئلة لا يمكن تجاهلها حول جدوى الحرب وكلفتها.
في هذا السياق، يمكن قراءة تردد الكونغرس كجزء من أزمة أوسع تتعلق بتراجع القدرة الأميركية على فرض سردية موحدة، داخليًا وخارجيًا. فالحروب التي كانت تُسوّق سابقًا تحت عناوين “الأمن القومي” و”الدفاع عن المصالح” لم تعد تحظى بالإجماع ذاته، خاصة بعد تجارب العراق وأفغانستان. اليوم، يبدو أن جزءًا من المؤسسة السياسية يخشى فتح نقاش علني قد يكشف هشاشة المبررات، أو يعمّق الانقسام الشعبي.
بالنسبة لمحور المقاومة، فإن هذا المشهد يحمل دلالات تتجاوز حدود اللحظة الراهنة. فالتردد الأميركي يشير إلى تحوّل في ميزان القوة، حيث لم تعد واشنطن قادرة على إدارة حروب طويلة دون تكلفة سياسية داخلية مرتفعة. كما أن غياب الإجماع داخل الكونغرس يضعف القدرة على الاستمرار في التصعيد، ويفتح الباب أمام خيارات أخرى.
مستقبل الولايات المتحدة، في ظل هذه الانقسامات، يبدو أكثر تعقيدًا مما كان عليه في العقود الماضية. فالدولة التي كانت تقدّم نفسها كنموذج "للاستقرار المؤسسي"، تجد نفسها اليوم أمام تناقضات بين مؤسساتها، وبين خطابها وممارساتها. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن الحروب الخارجية قد تتحول إلى عامل إضافي في تفكيك التماسك الداخلي، بدل أن تكون أداة لتعزيزه.
في المحصلة، رفض الكونغرس أو تردده في ممارسة دوره الرقابي مؤشر على أزمة عميقة في بنية القرار الأميركي. وبينما تستمر الحرب في فرض وقائعها على الأرض، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الولايات المتحدة تحمّل كلفة هذا التآكل الداخلي، في زمن انتهت فيه الحروب دون محاسبة.
الكاتب: زهراء نعيم