الجمعة 24 نيسان , 2026 05:35

تقنيات الإخضاع الإسرائيلية: كيف فشلت أدوات الإخضاع في لبنان؟

تكشف تجربة ربيع عام 2026 أن الحرب التي يشنّها العدو الإسرائيلي على لبنان لم تعد تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل أصبحت حرباً مركّبة تجمع بين القوة النارية وأدوات الضغط النفسي والإعلامي والسياسي، في محاولة مستمرة لإخضاع البيئة الحاضنة للمقاومة وكسر إرادتها. فمنذ الحرب التي اندلعت في أيلول 2024، واستمرت آثارها حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام نفسه، اعتمد العدو سلسلة واسعة من تقنيات الحرب النفسية التي استهدفت المجتمع اللبناني عموماً والمجتمع المقاوم خصوصاً. إلا أن مرور الوقت، وتراكم الخبرة الشعبية، والتكيّف مع ظروف المواجهة، كلها عوامل حدّت من فاعلية هذه الأدوات، وأفقدت كثيراً منها قدرتها السابقة على التأثير.

في هذا السياق، يمكن القول إن بعض تقنيات الإخضاع بقيت ثابتة وحاضرة بقوة، لأنها أثبتت بالنسبة إلى العدو قدرة نسبية على إرباك الخصم أو التأثير في معنوياته. من أبرز هذه الوسائل استخدام المنصات الرقمية، ولا سيما الرسائل التي يوجّهها الناطق العسكري أفيخاي أدرعي عبر منصة إكس، وما يرافقها من خرائط ورموز تهديدية. ورغم تعيين شخصيات أخرى للقيام بالدور نفسه، فإن حضوره بقي الأكثر تأثيراً، ما يعكس اعتماد العدو على الشخصيات الإعلامية التي راكمت حضوراً نفسياً في الوعي العام. كذلك استمر أسلوب الصدمة والترويع من خلال تنفيذ أعداد كبيرة من الغارات خلال دقائق معدودة أو في توقيت متزامن، بهدف خلق إحساس بالعجز أمام كثافة النار وسرعة الضربات.

كما حافظ العدو على سياسة توظيف الصور والفيديوهات الميدانية، سواء عبر البث المباشر أو التسجيلات المصوّرة، لإظهار تفوقه العسكري والتقني. فالغاية من نشر مشاهد الغارات أو الاستهدافات أو المراقبة الحرارية ليست إعلامية فقط، بل نفسية أيضاً، إذ يسعى من خلالها إلى ترسيخ صورة الجيش القادر على الرصد والكشف والسيطرة، في مقابل خصم يبدو مكشوفاً ومحاصراً. ويُضاف إلى ذلك سعيه الدائم إلى السيطرة السريعة على الخبر وصياغة السردية الأولى للأحداث، مستفيداً من لهاث بعض وسائل الإعلام اللبنانية وراء المصدر الإسرائيلي من دون تدقيق كافٍ. كما لوحظ تراجع مستوى الأكاذيب الفجّة مقارنة بمراحل سابقة، نتيجة اعتماد العدو على معلومات وفرتها وسائل الاتصال الحديثة، ما جعله أكثر ثقة بمعطياته الميدانية.

ومن الأدوات الثابتة أيضاً محاولة حصر المواجهة بحزب الله فقط، وفصل باقي المكونات اللبنانية عن المعركة. لذلك يكرر الخطاب الإسرائيلي أنه لا يستهدف المدنيين أو الطوائف الأخرى، بل يريد "حمايتهم" من المقاومة. ويقوم هذا الأسلوب على تحميل شخصيات المقاومة مسؤولية الدمار والخسائر، بهدف خلق جبهة داخلية معادية لها، وتحريض الرأي العام ضدها، وهو ما ظهر بوضوح بعد استهدافات العاصمة بيروت ومحاولات استثمارها سياسياً وإعلامياً.

في المقابل، تراجعت بعض الوسائل التي استخدمت بكثافة في مراحل سابقة، وأصبحت أقل حضوراً في ربيع 2026. فالإنذارات عبر الرسائل النصية الهاتفية تقلصت إلى حد كبير، وكذلك الاتصالات المباشرة التي كانت تصل إلى السكان لتحذيرهم أو تخويفهم. كما تراجع خطاب التهديد المباشر الذي كان يطلقه قادة العدو من الجبهات خلال زيارات ميدانية استعراضية، ويبدو أن السبب يعود إلى عدم قدرتهم هذه المرة على الظهور الميداني قرب الجبهة اللبنانية، خلافاً لما جرى سابقاً في جبهات أخرى مثل قطاع غزة. وهذا التحول يعكس خشية أمنية واضحة، ويؤشر إلى تراجع هامش الحركة لدى القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية.

أما أبرز ما ميّز ربيع 2026 فهو ظهور تقنيات جديدة أو متطورة للإخضاع، تجاوزت الأدوات العسكرية التقليدية. أول هذه الأساليب تمثل في الضغط السياسي والدبلوماسي على لبنان، عبر موفدين ومسؤولين غربيين مارسوا ضغوطاً مباشرة على الدولة اللبنانية، سواء من خلال التحريض أو التهديد أو تحميل المسؤوليات. وقد شكّل هذا النوع من الضغوط عاملاً معنوياً جديداً لم يكن حاضراً بهذه الحدة في الحروب السابقة، لأنه حاول عزل لبنان سياسياً ودفعه إلى التراجع تحت وطأة الابتزاز الدولي.

إلى جانب ذلك، برزت سياسة "تدفيع الثمن الكبير" وفق قاعدة اللاتناسب، من خلال استهدافات شبه يومية للضاحية الجنوبية لبيروت، رغم غياب أي أهداف عسكرية حقيقية. وبدا واضحاً أن الهدف ليس عسكرياً بقدر ما هو تدميري ونفسي، عبر رفع كلفة إعادة الإعمار وإلحاق أوسع ضرر ممكن بالمباني والمحيط العمراني. كذلك تعمّد العدو استهداف أعداد كبيرة من المدنيين، ولا سيما العائلات التي قررت البقاء في الجنوب وعدم النزوح، في محاولة لفرض معادلة الخوف وإجبار السكان على ترك أرضهم. وتكرر أيضاً استهداف العاصمة بيروت من دون رادع، لتعميم مشاعر القلق والذعر وإشعار اللبنانيين بأن لا منطقة آمنة.

ومن أخطر التحولات كذلك استهداف الطواقم الطبية والصحية والإعلامية، إذ ارتفعت أعداد الشهداء من المسعفين والعاملين في الإنقاذ والصحافة. وهذا النمط من الاستهداف لا يهدف فقط إلى إيقاع خسائر بشرية، بل إلى تعطيل قدرة المجتمع على الصمود، وحرمانه من أدوات الإغاثة والتوثيق ونقل الحقيقة.

ورغم قسوة هذه السياسات، فإن النتائج العامة تشير إلى تراجع فعاليتها مقارنة بالمراحل الأولى للحرب. فالمجتمع الذي خَبِر هذه الأدوات على مدى عام ونصف تقريباً، طوّر أشكالاً متعددة من التكيّف النفسي والاجتماعي معها. وانخفضت حالات الهلع الشديد والتوتر واليأس، كما تراجعت آثار الصدمة نسبياً بفعل الاعتياد والاستعداد المسبق لاحتمالات الحرب. وبذلك يمكن القول إن معركة الوعي والصمود باتت جزءاً أساسياً من المواجهة، وأن قدرة الناس على التحمّل والتكيّف شكّلت عاملاً حاسماً في إضعاف مفاعيل الحرب النفسية، مهما تنوعت أدواتها وتجدّدت أساليبها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور