الجمعة 24 نيسان , 2026 05:38

خطاب الرئيس جوزيف عون بين الشعارات والتناقضات

الرئيس جوزيف عون

يُظهر تتبّع خطابات رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون منذ بداية عهده مطلع عام 2025 وحتى نيسان/أبريل 2026 أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في تنوّع الأسلوب أو اختلاف الصياغة، بل في التناقض البنيوي بين الشعارات المعلنة والوقائع السياسية التي حملها هذا الخطاب. فمنذ خطاب القسم، قدّم الرئيس نفسه بوصفه حامي الدستور، ورمز الدولة الجامعة، وصاحب مشروع إنقاذ وطني، إلا أنّ مجمل الأداء الخطابي كشف تدريجيًا انحيازًا سياسيًا واضحًا، واستخدامًا انتقائيًا لمفاهيم السيادة والقانون والدولة بما يخدم اتجاهًا واحدًا دون سواه.

أولى الإشكاليات تتمثل في الاستخدام المكثف لمفهوم الدولة، وكأن الدولة في لبنان كيان مكتمل وقادر وفاعل، فيما الواقع يثبت عكس ذلك. فالحديث المتكرر عن أنّ الدولة وحدها تحمي اللبنانيين، وأن المؤسسات الرسمية وحدها تملك القرار، بدا أقرب إلى خطاب نظري منفصل عن الوقائع، في ظل عجز مزمن عن حماية الحدود، ومنع الاعتداءات الإسرائيلية، وتأمين أبسط مقومات الأمن الاقتصادي والاجتماعي. وبذلك تحوّل مفهوم الدولة في الخطاب الرئاسي إلى شعار سياسي يُستخدم لمهاجمة الخصوم، أكثر مما هو مشروع فعلي لبناء دولة قادرة.

أما الحديث المتواصل عن حصر السلاح بيد الدولة، فقد جاء بدوره منقوصًا وانتقائيًا. إذ تجاهل الخطاب حقيقة أنّ لبنان يعيش تحت تهديد دائم من "إسرائيل"، وأن الاحتلال والاعتداءات اليومية لم تتوقف، وأن ميزان القوى القائم لم تصنعه الدولة الرسمية. لذلك بدا التركيز على هذا العنوان وكأنه استهداف سياسي داخلي أكثر منه مقاربة دفاعية وطنية شاملة. فبدل طرح استراتيجية دفاعية واقعية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التهديدات، اختزل الخطاب القضية في مطلب داخلي تجريدي يخدم الانقسام ولا يحلّه.

ومن أبرز مواطن الخلل أيضًا المبالغة في تمجيد الجيش اللبناني واستخدامه في الخطاب كأداة رمزية لتثبيت الشرعية السياسية. فلا خلاف على وطنية الجيش ودوره، لكن تحويل المؤسسة العسكرية إلى حجة جاهزة في كل سجال داخلي، مع تحميلها ما يفوق قدراتها الفعلية، يضعها في موقع سياسي لا يخدمها. فالجيش نفسه يعمل ضمن إمكانات محدودة وتوازنات معقدة، ولا يمكن استخدامه كشعار لتغطية عجز السلطة عن اتخاذ قرارات سيادية حقيقية.

وفي السياسة الخارجية، بدا خطاب الرئيس متذبذبًا بين الحماسة اللفظية للقضية الفلسطينية وبين مواقف داخلية تناقض هذا الادعاء. ففي المحافل العربية تحدّث عن فلسطين بوصفها قضية حق، وعن ضرورة القوة في مواجهة الاحتلال، لكنه في الداخل شنّ هجومًا مستمرًا على كل مقاربة مقاومة، وصوّر أي فعل عسكري ضد "إسرائيل" باعتباره مغامرة أو عبثًا أو خدمة لأجندات خارجية. هذا التناقض أضعف صدقية الخطاب، وجعل المواقف الخارجية أقرب إلى اللغة البروتوكولية منها إلى قناعة سياسية راسخة.

كما اعتمد الرئيس بشكل متكرر على تعابير مثل "حروب الآخرين على أرضنا" و"الاستقواء بالخارج"، وهي عبارات جذابة شعبويًا، لكنها استُخدمت بانتقائية واضحة. فالاستقواء بالخارج لا يقتصر على محور دون آخر، بل يشمل كل من يستدعي الدعم الأميركي أو الغربي أو الإقليمي لتعديل موازين الداخل. غير أنّ الخطاب الرئاسي استخدم هذه المفاهيم ضد طرف محدد، فيما تجاهل أشكالًا أخرى من الارتهان السياسي والاقتصادي والدبلوماسي. وهنا تظهر ازدواجية المعايير بوضوح.

ومع تصاعد الأحداث بعد آذار/مارس 2026، انتقل الخطاب الرئاسي إلى مستوى أكثر حدة، حيث جرى تحميل المقاومة مسؤولية الدمار والنزوح والانهيار، وكأن العدوان الإسرائيلي مجرّد رد فعل لا سبب أصلي للأزمة. هذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج الرواية الإسرائيلية نفسها التي تبرر القصف والقتل بحجة وجود مقاومة. فبدل تسمية المعتدي بوضوح ومساءلته، جرى تحويل النقاش نحو لوم الداخل وحده وتحميله كامل المسؤولية.

أما الدفاع المتكرر عن التفاوض بوصفه خيارًا وطنيًا شجاعًا، فقد افتقر إلى الحد الأدنى من التوازن السياسي. إذ قدّم الرئيس المفاوضات كأنها نقيض للحرب، مع أنّ التجارب اللبنانية والعربية أثبتت أنّ التفاوض تحت الضغط ومن دون عناصر قوة غالبًا ما يتحول إلى تنازل مقنّع. كما أنّ تصوير المعترضين على هذا المسار بأنهم دعاة موت أو فوضى، يختزل النقاش الوطني ويمنع أي مقاربة عقلانية متعددة الخيارات.

ويُعدّ خطاب السابع عشر من نيسان/أبريل 2026 ذروة هذا المسار. ففيه تحدّث الرئيس عن استعادة لبنان وقراره، وعن دولة تفاوض عن نفسها، لكن من دون أي إشارة جدية إلى موازين القوى التي فرضت هذا الواقع، ولا إلى الضغوط الخارجية التي أحاطت بالمشهد. الأخطر من ذلك أنّ الخطاب خلا من توصيف واضح لإسرائيل كعدو، رغم المجازر والاعتداءات السابقة، ما عُدّ تراجعًا سياسيًا ورمزيًا كبيرًا في لحظة حساسة.

خلاصة الأمر أنّ خطاب جوزيف عون لم ينجح في بناء رؤية وطنية جامعة، بل اتجه تدريجيًا نحو خطاب انقسامي يرتكز على شعارات الدولة والسيادة لتصفية حسابات داخلية، وعلى الدبلوماسية لتبرير خيارات مفروضة. وبينما قدّم نفسه بوصفه مشروع إنقاذ، كشف خطابه عن أزمة أعمق: أزمة سلطة تتحدث بلغة الدولة، لكنها تعجز عن تجسيدها فعليًا.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور