الإثنين 27 نيسان , 2026 12:33

مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية: لماذا لم تُهزم إيران عسكرياً؟

جندي في قوة الجوفضاء التابعة لحرس الثورة الإسلامية خلال عملية إطلاق صاروخ باليستي

يعتبر الباحث الأول في مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية يوني بن مناحيم، في هذا المقال الذي ترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أنه على الرغم من "التفوّق العسكري" الأمريكي، فإن إيران استطاعت الصمود، عبر مزيج من الاستراتيجية غير المتماثلة، والتماسك الداخلي، والسيطرة على مضيق هرمز، بعدما توقع الكثيرون من معسكر العدوان الصهيوأمريكي، إلحاق "هزيمة عسكرية سريعة" بإيران. مجاوباً على السؤال: لماذا لم تنتهِ بانتصار استراتيجي واضح للولايات المتحدة الأمريكية على إيران؟ ومؤكّداً أنه لا إجابة واضحة على أن الجمع بين الحصار وضربات واسعة للبنى التحتية هو وحده ما سيؤدي إلى الحسم.

النص المترجم:

الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي دخلت الآن في وقف مؤقت لإطلاق النار تمهيداً لمفاوضات هشة، تثير سؤالاً مركزياً: كيف يمكن أن مواجهة عسكرية مع إحدى أقوى القوى في العالم لم تنتهِ بانتصار استراتيجي واضح للولايات المتحدة على إيران؟

يفيد مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية أن الولايات المتحدة استخدمت قوة عسكرية حاسمة، ونفذت ضربات جوية واسعة النطاق، ونشرت أصولاً بحرية متقدمة. ومع ذلك، فإن الهدفين الرئيسيين، إعادة فتح مضيق هرمز والتدمير الكامل للبرنامج النووي الإيراني، بقيا دون تحقيق.

وبحسب هؤلاء المسؤولين، هناك عدة تفسيرات لبقاء النظام الإيراني.

أولاً، حدود القوة العسكرية التقليدية. فالتفوق الجوي والبحري لم يعد يضمن نصراً حاسماً عندما يعتمد الخصم على تكتيكات غير متماثلة. وقد تجنبت إيران مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وبدلاً من ذلك اعتمدت تكتيكات استنزاف حدّت من حرية عمل خصمها.

وكانت الأداة المركزية في هذه المقاربة ترسانة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تمتلكها. فهذه الوسائل القتالية الرخيصة نسبياً وصعبة الاعتراض أعادت تعريف ديناميكيات المواجهة: إذ أجبرت الأسطول الأمريكي على البقاء بعيداً عن السواحل الإيرانية لتفادي مدى الإصابة، وجعلت أي محاولة للاقتراب من الأراضي الإيرانية شديدة الخطورة. وبهذا، نجحت إيران في تقليص جزء من التفوق التكنولوجي لخصومها.

وقد جسّدت الساحة البحرية هذا التحول بوضوح. إذ لم يتمكن الأسطول الأمريكي من فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، وتجنب القيام بعمليات هجومية عميقة. وبدلاً من أن يكون قوة حاسمة، تحول في الأساس إلى عامل داعم، وهو تحوّل مفاهيمي مهم، إذ كانت الهيمنة البحرية تُعدّ لعقود حجر أساس في الردع الأمريكي.

ثانياً، رغم أن الولايات المتحدة، وفقاً للتقارير، دمرت الأسطول النظامي الإيراني، فإنها لم تستهدف الزوارق السريعة الصغيرة التابعة لحرس الثورة الإسلامية، لأسباب غير واضحة. وهذه القطع البحرية هي التي تتيح فعلياً لإيران تهديد مضيق هرمز وحتى تعطيل الملاحة فيه.

ثالثاً، قدرة إيران على الحفاظ على وحدة داخلية. خلافاً للتوقعات، لم تؤدِ الحملة إلى انهيار داخلي أو إلى تمرد واسع النطاق. فقد تبنّت أطراف من المعارضة، بما في ذلك تيارات إصلاحية، موقفاً وطنياً دفاعياً انطلاقاً من إدراك أن انهيار النظام قد يؤدي إلى تفكك الدولة. وبهذا، تزعزعت إحدى الفرضيات الأساسية في واشنطن بشأن إمكانية ممارسة ضغط داخلي سريع.

المظاهرات الواسعة التي اندلعت في كانون الثاني/يناير الماضي، بمشاركة عشرات الآلاف من المتظاهرين، خمدت بعد أن قُتل نحو 35,000 شخص على يد قوات البسيج. فقد شعر الجمهور، من جهة، بتهديد من النظام، ومن جهة أخرى انتظر إشارة متجددة من الرئيس ترامب لاستئناف الاحتجاجات، انسجاماً مع تصريحاته السابقة.

وتشير مصادر أمنية إلى أن طريقة تعامل النظام مع الاحتجاجات السابقة خلقت سابقة واضحة: استخدام قوة لا هوادة فيها، وردع قوي، واستعداد لاستخدام وسائل قصوى، ساهمت جميعها في تثبيت الجبهة الداخلية خلال الحرب.

رابعاً، حافظت إيران على مرونة استراتيجية. فلم تتخلَّ عن قضايا جوهرية، لا عن البرنامج النووي ولا عن القدرات الصاروخية، وواصلت إدارة سياسة تقوم على الغموض والضغط.

وقد تحولت سيطرتها على مضيق هرمز إلى أداة مركزية لممارسة نفوذ اقتصادي وأمني، سواء تجاه الولايات المتحدة أو تجاه الاقتصاد العالمي. وفي الوقت نفسه، تبيّن أن القيود السياسية لعبت دوراً أيضاً: فكلما طالت الحملة، ازداد الضغط الداخلي على الرئيس ترامب داخل الولايات المتحدة، ما صعّب تصعيد العمل العسكري. وفي مثل هذه الظروف، حتى التفوق العسكري الواضح لا يضمن نجاحاً استراتيجياً.

تُدار الحروب الحديثة بشكل متزايد عن بُعد، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، وفي هذا السياق تستطيع حتى الدول الأضعف نسبياً أن تردع وتمنع حسم المعركة ضدها بسرعة.

خامساً، غياب عملية برية واسعة النطاق داخل إيران يُعد عاملاً حاسماً. فمن الصعب جداً إسقاط نظام سلطوي مصمم على البقاء عبر القوة الجوية وحدها.

الخلاصة المستخلصة من هذه الحرب واضحة: لم تُهزم إيران عسكرياً، ليس لأنها انتصرت، بل لأنها نجحت في التكيف مع قواعد القتال الجديدة. فقد جمعت بين وسائل منخفضة الكلفة نسبياً، وتفكير استراتيجي، ومرونة عملياتية، وسيطرة داخلية محكمة، وبذلك منعت خصومها من تحقيق أهدافهم.

السؤال المركزي الآن هو ما الذي يحمله المرحلة المقبلة. في الوقت الراهن، يبقى الإنجاز الأبرز للنظام الإيراني هو مجرد بقائه.

هل سيؤدي الضغط الاقتصادي في نهاية المطاف إلى كسر إيران؟ هل ستنهار استراتيجية الحصار البحري التي يتبعها ترامب؟ أم أن الجمع بين الحصار وضربات واسعة للبنى التحتية هو وحده ما سيؤدي إلى الحسم؟ الإجابة لا تزال غير واضحة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور