الإثنين 27 نيسان , 2026 04:04

من احتلال الأرض إلى التحكم بالموارد: كيف تُعاد صياغة الأطماع الإسرائيلية في لبنان

خريطة لبنان

يحتار المرء في توصيف سطحية السلطة في لبنان التي يهرول جزء منها الى مفاوضة الكيان الموقت وكأن ذلك هو فعل الخلاص للبنان التي اثبتت مقاومته انها قوته الاساسية في مواجهة الاطماع الاسرائيلية في لبنان الدور والارض والثروات المائية والزراعية وحتى الطاقوية، وهذه تحديداً ما يهدف اليها الكيان المؤقت مما اسماه الخط الأصفر فهو لا يسعى لاحتلال الأرض وانما احتلال البحر اللبناني وفي هذا رد صريح وواضح على أحد عباقرة آخر الزمان السياسيين في لبنان ، البلد الذي يمثل الجائزة الكبرى والكنز المدفون الذي يجب اخضاعه لأطماع الكيان المؤقت ، من هنا كان لا بد من زيارة للتاريخ للاطلاع أكثر عن أضغاث الأحلام تلك التي تكسرت وستتحطم أمام مقاومة آمنت بالوطن كل الوطن.

لكن، إذا أردنا أن نكون صريحين حتى النهاية، فالمسألة لم تعد مسألة شعارات. لا "تحرير" مقابل "تفاوض" فقط، ولا حتى صراع حدود بالمعنى التقليدي. ما يجري أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام صراع على تعريف لبنان نفسه: هل هو دولة تمتلك مواردها، أم مجرد مساحة قابلة لإعادة التشكيل كلما تغيّر ميزان القوة؟

هنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية.

منذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، لم يكن لبنان خارج الحسابات. بل كان جزءاً من صورة أكبر، صورة ترى الجغرافيا من زاوية الوظيفة لا السيادة. الجنوب لم يُنظر إليه كأرض فقط، بل كمخزن مياه. والداخل اللبناني لم يُقرأ كنسيج وطني، بل كبنية قابلة للتفكيك وإعادة التركيب.

الماء… هذه هي الكلمة المفتاح. ليست تفصيلاً، وليست بنداً تقنياً. الماء في هذه المنطقة يساوي بقاء.

لهذا، لم يكن غريباً أن تظهر مبكراً محاولات ربط نهر الليطاني بحوض الأردن، حتى ولو عبر فرضيات جيولوجية مشكوك فيها. الفكرة لم تكن علمية بقدر ما كانت سياسية: تحويل نهر لبناني صرف إلى مورد "قابل للمشاركة". ومن هنا يبدأ الانحدار—عندما يتحول الحق إلى مادة تفاوض.

وبكلام أبسط: حين يُقنعك خصمك أن لديك "فائضاً"، فهو لا يناقشك علمياً… هو يمهّد لأخذ هذا الفائض.

لكن الأطماع لم تكن مائية فقط.

كانت هناك طبقة أعمق، أكثر حساسية: اللعب على البنية الداخلية.

ما سُمّي بعقيدة "حلف الأقليات" لم يكن تنظيراً فكرياً، بل محاولة جدية لخلق واقع لبناني موازٍ. اتصالات، عروض، ووعود بدعم مالي وتقني مقابل إعادة رسم الجنوب، أو خلق كيان سياسي متحالف. بعض هذه المحاولات فشل، وبعضها ترك ندوباً لا تزال ظاهرة حتى اليوم.

وهنا يجب قول ما لا يُقال كثيراً:

المشروع لم يكن ليستمر لولا وجود قابلية داخلية—ولو محدودة—للاستماع، أو للمساومة، أو حتى للرهان الخاطئ.

والأخطر أن بعض هذا الداخل، عن وعي أو عن جهل، لا يزال يتصرف كأنه شريك في إدارة الخسارة لا في منعها. والتاريخ لا يرحم في هذه النقطة.

من محاولة شراء الأراضي قرب منابع المياه، إلى السعي لسلخ قرى كاملة وتغيير حدود، وصولاً إلى مشاريع التهجير وإعادة التوطين… كل ذلك لم يكن حوادث متفرقة. كان مساراً واحداً، يتقدم خطوة خطوة، يختبر، يتراجع، ثم يعود بصيغة مختلفة، وعندما فشل خيار إعادة رسم الحدود نهائياً، تغيّرت الأدوات.

الاجتياحات العسكرية لم تكن سوى مرحلة.

1978، ثم 1982… محاولات لإعادة تشكيل الواقع بالقوة. وعندما تبيّن أن الكلفة مرتفعة، بدأ التحول التدريجي: من الاحتلال إلى التحكم، ومن السيطرة المباشرة إلى فرض قواعد اشتباك جديدة.

اليوم، يتكرر المشهد ولكن بوجه آخر.

الحديث عن "الخط الأصفر" في البحر ليس تفصيلاً تقنياً. هو ترجمة حديثة للفكرة القديمة نفسها: إذا تعذر أخذ الأرض، يمكن ضبط المورد. وإذا أمكن ضبط المورد، تصبح السيادة نفسها موضع نقاش.

في المقابل، يبدو لبنان… متردداً.

وأحياناً، بصراحة، غائباً عن فهم حجم ما يجري.

بلد يملك واحداً من أهم الأحواض المائية في المنطقة، لكنه يتعامل مع الماء كأنه خدمة بلدية. قرى في الجنوب والبقاع تعاني العطش، بينما الأنهار تهدر أو تُدار بعشوائية. مزارع تُترك، أراضٍ تُهمل، وسكان يُدفعون—ببطء—إلى الهجرة.

وهنا المفارقة القاسية:

ما لم تستطع "إسرائيل" فرضه بالقوة، قد يتحقق بالإهمال.

خذ مثال مزارع شبعا.

ليست مجرد قطعة أرض متنازع عليها، بل نقطة تقاطع نادرة: موقع استراتيجي، إشراف جغرافي واسع، وخزان مائي بالغ الأهمية. ومع ذلك، تُدار كملف تقني مؤجل، لا كقضية سيادية ضاغطة.

وكأننا ننتظر أن تتحول المشكلة إلى أمر واقع… ثم نبدأ النقاش.

الأخطر، وربما الأكثر دهاءً، هو المسار القانوني.

إعادة إحياء اتفاقيات قديمة، التمسك بفكرة "الفائض المائي"، الترويج لارتباط جوفي بين الأحواض… كلها ليست تفاصيل قانونية بريئة. إنها محاولة لإنتاج شرعية بديلة، تُدخل الأطماع إلى طاولة المفاوضات على شكل "حقوق".

وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، يصبح التراجع أصعب بكثير.

في العمق، يمكن فهم العقل الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه لبنان بثنائية واضحة:

لبنان فرصة… ولبنان خطر.

فرصة بما يملكه من موارد يمكن استثمارها أو السيطرة عليها.

وخطر بما يمثله من بيئة مقاومة قادرة على تعطيل هذا المشروع.

لذلك، تتحرك الاستراتيجية بين مسارين متوازيين: الضغط من الخارج، والتفكيك من الداخل. وعندما يلتقي المساران، تتغير المعادلة.

لكن رغم كل ذلك، هناك حقيقة لا يمكن القفز فوقها:

الأطماع لم تتغير منذ أكثر من قرن… الذي تغيّر فقط هو الأسلوب.

من خرائط تُرسم في مؤتمرات، إلى وقائع تُفرض بالقوة، إلى قوانين تُفصّل على قياس المصالح. المسار واحد، حتى لو تبدلت الأدوات.

السؤال، إذن، ليس ماذا تريد "إسرائيل". هذا معروف وواضح في وثائقها وتصريحاتها.

السؤال الحقيقي: ماذا يريد لبنان لنفسه؟

هل يكتفي بردّ الفعل؟

أم يبني، أخيراً، رؤية تعتبر الماء ثروة سيادية لا تقل أهمية عن الأرض؟

الخلاصة قاسية، لكنها ضرورية:

الدولة التي لا تدير مواردها، سيتولى الآخرون إدارتها عنها.

والدولة التي تفاوض تحت ضغط الحاجة، لا تفاوض… بل تُساوِم على ما تبقّى منها.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور