الإثنين 27 نيسان , 2026 05:34

الصمود كاستراتيجية: كيف أربكت طهران حسابات القوة الأميركية؟

مضيق هرمز وعلم إيران وعلم أميركا وترامب

في لحظةٍ بدت فيها موازين القوة محسومة سلفًا لصالح واشنطن، تكشّف مسار المواجهة الأخيرة مع طهران عن خللٍ عميق في بنية التقدير الاستراتيجي الأميركي. لم يكن الأمر مجرد تعثّر عسكري هامشي، بل انكشاف لنمط تفكيرٍ اعتاد افتراض خضوع الخصوم لمنطق "الصدمة والرعب"، وهو المفهوم الذي ارتبط تاريخيًا بالعقيدة القتالية الأميركية منذ حرب العراق. غير أن ما واجهته الولايات المتحدة هذه المرة لم يكن دولة تقليدية قابلة للانهيار السريع، بل نموذجًا مركّبًا من الدولة والعقيدة والشبكات الإقليمية، ما جعل الصمود بحد ذاته أداة استراتيجية فاعلة.

منذ الضربة الافتتاحية، التي استهدفت البنية القيادية والعسكرية الإيرانية، راهنت واشنطن—في سياق سياسات ارتبطت بشخصيات مثل دونالد ترامب—على إحداث صدمة نفسية وميدانية تؤدي إلى تفكك القرار الإيراني أو دفعه نحو التراجع. لكن ما حدث فعليًا كان العكس: امتصاص الضربة، إعادة ترتيب الصفوف، والانتقال السريع إلى نمط استنزافي طويل النفس. هذا التحول لم يكن ارتجاليًا، بل يعكس إدراكًا إيرانيًا لطبيعة "التفوق الأميركي" وحدوده، حيث لا تكمن قوته في الحروب الطويلة بل في الضربات الحاسمة السريعة.

من الصدمة إلى الاستنزاف: انقلاب في قواعد الاشتباك

نجحت طهران في نقل المعركة من إطارها الذي خططت له واشنطن إلى مسارٍ مختلف تمامًا. فبدل الحسم السريع، دخلت المواجهة في منطق الاستنزاف، حيث تتآكل القوة تدريجيًا، وتتآكل معها القدرة على التحكم بالإيقاع. هذا النمط من الصراع يفرض كلفًا سياسية واقتصادية متزايدة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على شبكة المصالح العالمية المرتبطة بالولايات المتحدة، خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز.

هنا تحديدًا، برزت إحدى أهم أدوات الضغط الإيرانية: تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوضية. فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط عبور تجارية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الردع. ومع تصاعد التوتر، بدا أن السيطرة التقليدية على البحار—وهي ركيزة من ركائز الهيمنة الأميركية—لم تعد كافية لضمان الاستقرار أو فرض الإرادة السياسية.

إشكالية القوة بلا شرعية

أحد أبرز التحولات التي كشفتها هذه المواجهة هو الفجوة بين القوة المادية والشرعية السياسية. فالولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها كضامن للنظام الدولي، وجدت نفسها في موقعٍ دفاعي على مستوى السردية، خاصة مع تصاعد الانتقادات لأساليبها في إدارة الصراع، سواء عبر الحصار أو الإجراءات البحرية التي وُصفت بأنها أقرب إلى "فرض الأمر الواقع" أو بالأحرى إلى "القرصنة" منها إلى تطبيق القانون الدولي.

في المقابل، استثمرت طهران في خطاب "الدفاع المشروع"، محاولةً إعادة تأطير المواجهة ضمن مفهوم السيادة والحق في حماية المصالح الحيوية. هذا التباين في السرديات لم يكن تفصيلاً إعلاميًا، بل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل مواقف دولية أكثر حذرًا، بل وأحيانًا مترددة في الانخراط الكامل خلف واشنطن.

الامتداد الإقليمي: وحدة الساحات كمعادلة ضغط

لم تقتصر الاستراتيجية الإيرانية على الداخل، بل امتدت إلى الفضاء الإقليمي، حيث شكّلت شبكات الحلفاء عنصرًا حاسمًا في توسيع نطاق الضغط. في لبنان مثلًا، لم تعد المواجهة مجرد صراع محلي، بل جزءًا من معادلة أوسع تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية. هذا الترابط جعل من الصعب على الولايات المتحدة عزل أي ساحة عن الأخرى، وهو ما حدّ من قدرتها على إدارة الصراع بشكل مجزأ.

في هذا السياق، تحوّل مفهوم "فصل الساحات" إلى هدفٍ أميركي لم يتحقق، مقابل نجاح محور المقاومة في الحفاظ على ترابط الجبهات. النتيجة كانت بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا، حيث يصبح أي تصعيد في نقطة ما قابلًا للارتداد في نقاط أخرى.

المأزق الاستراتيجي: بين التصعيد والتراجع

أفضت هذه الديناميكيات إلى ما يمكن وصفه بـ"المأزق المزدوج" للولايات المتحدة: فهي غير قادرة على التصعيد الحاسم دون تحمل كلف عالية وغير مضمونة النتائج، وغير قادرة في الوقت نفسه على التراجع دون الإقرار بتآكل هيبتها. هذا الوضع يفسر اللجوء إلى أدوات وسيطة، مثل الضغوط الاقتصادية أو الإجراءات البحرية، في محاولة لإعادة التوازن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

غير أن هذه الأدوات بدورها كشفت حدود فعاليتها، خاصة عندما تقابلها استراتيجية مضادة تقوم على امتصاص الضغوط وتحويلها إلى عناصر تعبئة داخلية وخارجية. وهنا يظهر البعد الأهم في التجربة الإيرانية: القدرة على تحويل نقاط الضعف—كالحصار—إلى جزء من معادلة الصمود.

في النهاية؛ ما تكشفه هذه المواجهة يتجاوز حدود الصراع بين واشنطن وطهران. نحن أمام لحظة إعادة تعريف لمفهوم القوة ذاته: لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية أو القدرة على الضرب، بل أيضًا بالقدرة على الصمود، وإدارة الزمن، وتحمّل الكلفة، وإنتاج سردية مقنعة.

في هذا الإطار، يمكن فهم كيف تحوّل "الصمود" من حالة دفاعية إلى استراتيجية متكاملة أربكت حسابات القوة الأميركية. ليس لأنه أسقط ما يسمي بـ"التفوق العسكري"، بل لأنه قيّد فعاليته، وأجبره على العمل ضمن شروط مختلفة. وهذا بحد ذاته تحوّل مهم في بنية النظام الدولي، حيث لم يعد التفوق المطلق كافيًا لضمان النتائج.

السؤال المفتوح الآن ليس ما إذا كانت هذه المعادلة ستستمر، بل إلى أي مدى يمكن تعميمها. فنجاح نموذج الصمود—إذا ما ترسّخ—قد يدفع فاعلين آخرين إلى تبنّيه، ما يعني دخول النظام الدولي في مرحلة أكثر سيولة، حيث تتراجع القدرة على الحسم، وتتقدم ديناميكيات الاستنزاف والتوازنات الهشة.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور